الجمعة، 27 مايو، 2016

عن جدّي ... "أبو أسعد"


على تلك الشرفة المطلّة على السهل في المريجات، كان الحبيب "أبو وليد" بديع نجيب المصري عافاه الله وأطال بعمره، يخبرُني بعينينِ دامعتينِ كالعادة عن أمجاد صليما.
يخبر عن الخوري فرنسيس، عن "جلسات الميدان" عن ليالي السمر، عن "الضروبي والمقالب"، عن بطولات وتحدّيات، عن أيام العز مع "أبو حسيب" و"فايد" و"بشْير" و"عارف" و"رشيد" (مع حفظ الألقاب) وغيرهم ممن تقاسم معهم حلوَ تلك الأيامِ وعزَّها ومجدَها ... ومرَّها.

وكان يتوقف كثيراً ليخبرَني عن جدّي لأمي رحمه الله "رشيد صالح المصري (أبو أسعد)"، رفيق عمره، وقد كان جدّي عضواً في بلدية صليما، أيام عز صليما، وقد ذكّرتْني الأيام التي خلت ببعض هذه الروايات التي أنقلها حرفيّاً.

يتنهّد "أبو وليد"، يغني بصوتٍ عذب مقطعاً من أغنية فيها ما فيها من الحنين أو يردّد بيتاً من العتابا ومن ثم يقول:
"كانت إيام غير هل إيام، جدّك وألفرد (ألفرد مشعلاني رئيس بلدية صليما سابقاً) ضوّوا صليما قبل ما تضوّوي بعبدات، بتعرف شو يعني؟ كانت الضيعة مجموعة، والعالم تحب بعضا، وكان في رجال تشتغل لكل الضيعة مسيحيّة ودروز، مصري وسعيد."

ويستطرد بفخر:
"جِدّك كان رجالو قلال، نقلنا معو رسايل كتير من كمال (بكسر الميم) بيك الله يرحم ترابو، وكنا نخبّي الرسايل بالصبابيط وتحت دعسات السيارات، ... ونقلنا وِحدي من الرسايل للعويني (رئيس الوزراء السابق)، وكان موقفو عاطل (لن أذكر التفاصيل) واتفقنا ما نخبّروا للبيك وبس وصلنا على المختارة قام جدّك وخبّرو ... بطريقتو" (لن أورد نهاية الحادثة لأنها غير متعلّقة يموضوع اليوم رغم أنها قد تحمل – في السياسة – دلالات كثيرة)

ويضيف مبتسماً:
"راحو وفد من صليما عند كمال بيك (وينظر إلى الأفق) كان وزير بوقتا، طالبو إنو يعطي بلدية صليما 10000 ليرة بدل ال5000 يللي وعدُن فيا، فجاوبُن البيك "ما بقدر إذا عطيتكن بصير بدي أعطي بيت ... (عائلة متنية) كمان"، وقف جدّك وبحضرة كمال جنبلاط وهيبتو وإنت بتعرف مين كمِال بيك وضرب إيدو عل الطاولي وقللوا " ... إم بيت ..." بتعطيُنْ خمسة بيشتغلو بأربعة نحن بتعطينا خمسة منشتغل بعشرة" وكان له ما كان.

تتعدد الجلسات المريجاتية مع الغالي "أبو وليد" وتتعدد الأخبار الجميلة عن الزمن الجميل وتبقى الدموع عالقة في عينيه كأنها أصبحت جزءاً منهما، شاهدة على حقبة من الزمن أخشى أنها لن تعود.

رحمك الله يا جدّي "أبو أسعد" لم يكن العم بديع الوحيد الذي أخبرَني عن الرجلِ الذي كنتَ، وعن حبِّك للعمل الإجتماعي وعشقك لصليما الذي قد تكون قد نقلته لي جينيّاً فأورثتني هذه الرغبة في العمل الإجتماعي وهذا العشق الصليمي الذي أرجعَني من البقاع ومن بيروت وقلة هم من يسلكون هذا الطريق العائد.
ولكنك ربما قد أورثتني أيضاً هذا اللسان اللاذع الذي إشتهرتَ به والذي يخفي خلفه طيبةً معروفةً، وبعضاً من تلك الجرأة التي تحلّيت بها، في زمنٍ أصبحت فيه الجرأة خيانة، والكلمة خظيئة، والمطالبة بالحق تطرّف، والمحبة جريمة يتعقّبك الجميع عليها حتى إسقاطها، والرغبة في لمّ الشمل أو في التغيير ضرب من ضروب السذاجة والإنتحار الإجتماعي.   

رحمَك الله يا جدّي "أبو أسعد"، ورحم أيام العز التي ربينا على حكاياتِها ولكنّنا حين أتينا لنعيشَها كانت قد رحلت كما رحل "أبو حسيب" و"فايد" و"بشْير" وغيرهم الكثير من رجال صليما.
رحمَك الله يا جدّي "أبو أسعد"، وأطال الله بعمرك "جدّي أبو وليد".