الثلاثاء، 21 يوليو 2015

شعبنا بإختصار مخدّر عاطفياً ...

الصورة لبلال جاويش - موقع تغريدة
شعبنا بإختصار مخدّر عاطفياً،
إنفعاله لا يتعدى "النّق" في المجالس الخاصة أمام مواضيع وأحداث مصيريّة تعصف في حياته في شكل يومي أو مستجد، كالأدوية الفاسدة والأكل الفاسد والتلوّث والصفقات والفساد والتفجيرات والسمسرات وإنقطاع الكهرباء والمياه والذلّ اليومي على الطرقات ...
شعبنا بإختصار مخدّر عاطفياً، وهي حالة تستحق الدرس على مستوى علم نفس الجماعة وعلم الإجتماع، لما فيها من فقدان لقيمة الذات الجماعية، ومن حالة إكتئاب جماعي تشبه بكل أبعادها حالات الإكتئاب Depression الفردي بما فيها من إستسلام وعدم قدرة على المواجهة والتغيير.
بالأمس قامت القيامة على المارة الذين لم يساعدوا جورج الريف الذي تعرض للطعن حتى الموت أمام أعينهم على يد المجرم طارق يتيم، وهذه ليست سوى صورة مصغّرة عما يحدث كل يوم في المجتمع الكبير، فالموت اليوميّ الذي تمارسه بقايا الدولة وهذه التركيبة المافياوية لا يلاقى - كما في حالة هؤلاء المارّة - إلّا بالصمت وإكمال الطريق أو بالتماهي Identification "لزيادة الطين بلّة" بحيث يصبح المجتمع صورة عن همجية الدولة وشريكاً لها في الفساد ومشتقاته.
اليوم بدأ الغرق بالنفايات، وأنا على يقين أن أحداً لن يرفع الصوت حتى ولو حجبت النفايات وجه الشمس عن الوطن بأكمله، وستقتصر "ثورة الشعب" على بعض التعليقات على وسائل التواصل الإجتماعي أو بعض المقالات التي تقرأها تلك القلّة التي ما زالت تقرأ.
اليوم بدأ الغرق بالنفايات، ولن يكون هناك تحرّك حقيقي فعّال حتى ولو أصبحت المدينة بؤرة من الأوساخ والأمراض والروائح النتنة، لن يوقظ كل ذلك الشعب من تخديره لأن حالته هذه أصبحت لا إرادية ولا واعية ومرضيّة تستحق العلاج الذي يحتاج بدوره إلى دراسات وأبحاث وبرامج وإصلاحات وتغييرات شاملة تحتاج من جهتها إلى سنوات إذا بدأنا اليوم، وطالما أن هذا الموضوع ليس على أي بساط بحث فحالة التخدير العاطفي مستمرّة ... للأسف.
شعبنا بإختصار مخدّر عاطفياً، ولعل الأحداث المتراكمة وتلك المحفورة في الذاكرة في الأمس القريب والبعيد هي من أهم مسببات هذه الحالة، من خوف وحروب ومآسٍ واحتلالات يضاف إليها الفوقية المجبولة بالضعف والخوف وتحكّم الطبقة السياسية الطائفية بمصير الأفراد مما يجعلهم غير آبهين بحياتهم كأنها ليست ملكاً لهم وكأنها مفرّغة من أي قيمة حقيقية.
شعبنا بإختصار مخدّر عاطفياً، وأهل الدولة يدركون ذلك جيّدا ويعتمدون عليه لتمرير تقصيرهم في إيجاد الحلول للمشاكل الحياتية أو في القيام بأدنى واجباتهم لتلافي الوقوع بها أو لتمرير صفقاتهم التي قد تكون "أزمة الزبالة" واحدة منها.
شعبنا بإختصار مخدّر عاطفياً، و"سينكِّت" على موضوع الزبالة كما نكّت على كل الويلات التي إجتاحت يومياته في السنوات الأخيرة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لن يقوم مواطناً واحداً بتقليل كميّة النفايات التي ينتجها يوميّاً (وهي ضخمة جداً بالنسبة لما تنتجه منازل الدولة الأخرى) للمشاركة في تخفيف وطأة الأزمة؟ 
شعبنا بإختصار مخدّر عاطفيّاً ومخدّر أيضاً على مستوى الحسّ بالمسؤولية الوطنيّة والفرديّة أحياناً سواء من ناحية المطالبة بالحقوق "البديهيّة" أو معرفة أبسط الواجبات ... والدولة ومافياتها تدرك ذلك جيّداً.