الاثنين، 20 يناير، 2014

زبالة بزبالة

تفاجئ سكان العاصمة وضواحيها، القابعين تحت رحمة أحادية سوكلين من جهة ونأي الحكومة بنفسها عنهم من جهة أخرى، بجبال الزبالة ترتفع قرب بيوتهم فتجهّموا وغضبوا وشتموا وسبّوا وناموا وطبّوا.
إرتفعت اﻷصوات ﻷن الزبالة أصبحت مرئية بالعين المجردة ونحن شعب عنده ميزة فريدة وعظيمة - ربما هي ما يساعده في البقاء على قيد الحياة أو تأجيل الموت فقعاً لكنها بالتأكيد تعجِّل الموت بأشكال أخرى - وهي عدم قدرته على إدراك الحالات الغير مرئية وانفعاله الوقتي القصير مع هذه الحالات إذا ما تجلّت.

تجسدت النفايات أمام أعينكم أيها المواطنون وإجتاحت أنوفكم فتفاجأتم كأنه لقاؤكم الأول بها، كأنكم لا تواجهونها بأشكال متعدّدة كل يوم منذ سنوات أو عقود؟!
ماذا عن التلوث الذي يحيط بكم من كل حدبٍ وصوب؟ أﻻ يزعجكم تلوث الهواء والغذاء والتلوث السمعي والبصري والإعلامي واﻹجتماعي والسياسي والأخلاقي والقيمي؟
ألا تشعرون بأطنان الزبالة في نشرات اﻷخبار والبرامج السياسية أو حتى في بعض البرامج الفنية والمساطر الزبالة التي تسوقها؟
ألم تسمح لكم الفرصة السعيدة أن تزوروا التلال المحيطة لبيروت في يوم ربيعي صافٍ لتروا تلك السحابة السوداء التي تظللكم وتظلل عاصمتكم؟
ألم تسمعوا قبل باللحم الفاسد والمياه الفاسدة وأعظم من ذلك الدواء الفاسد؟ من حاسب أولئك الذين مرروا الزبالة في اللحم والدواء إلى أجسادكم؟ هل سألتم كيف إنتهت هذه القضايا؟ هل كانت الحالات الوحيدة أم أن زبالة أخرى قد زُرعت في أنسجتكم دون "همروجة" إعلامية؟
هل تقودون سياراتكم وتستمتعون بأخلاق الكثير من شركائكم في الوطن؟ ألم تلاحظوا أنها أخلاق ... زبالة؟
هل أدركتم وبعد كل هذه السنوات من التعايش والأخوّة والمحبة، ما يخبّأ في النفوس من مشاعر ونوايا ﻷولاد هذه الطائفة تجاه أولاد الطائفة "الكريمة" اﻷخرى، وهذه القبيلة تجاه قبليّي القبيلة اﻷخرى، وأولاد العشائر واﻷحياء والزواريب والسراديب والمحاور تجاه أي آخر؟ أليس أفضل ما يصف تلك النفوس هي "الزبالة"؟ الزبالة المعجونة بالحقد والضغينة والفوقية والطائفية والعنصرية واﻹلغاء والهمجية.
هذا بعض من زبالة البلد دون أن نلقي نظرة واحدة على مطامر دوائر الدولة والصفقات والمحسوبيات واﻹهمال والمحاصصة ومستوعبات أهل السياسة وعقول من يأتي بهم إلى الحكم.

مشكلتنا أننا غارقون في الزبالة وفي حالة اﻹنكار لوجودها أو إذا ما قبلنا فنصرّ أن الوضع الزبالة الذي نعيش مفروض علينا رغم أننا مقتنعون بأننا أذكى بني البشر.
مشكلتنا أننا غارقون في هذا الوضع إلى درجة لم نعد نستطيع رؤية الحياة النظيفة والمواقف النظيفة والقيادات النظيفة والناس النظيفة والبلدان والمجتمعات واﻷخلاق والقيم النظيفة ولم نعد للأسف نعرف القيمة الحقيقية للنظافة.
غدا ستعود الشاحنات الخضراء لتنظف الشوارع فيسحب الحدث من النقاش مع إنحسار الرائحة النتنة، فهل سيأتي يوم تنظف فيه النفوس واﻷيادي والعقول الخضراء هذا الوطن ... من زبالته.