الخميس، 11 ديسمبر 2014

بيروت وباريس ... ومعادلة الفرح



قد تكون باريس إمرأة جميلة، تهتم بأنوثتها ومظهرها لإرضاء رجلها وفي المقابل تهمل بيروت جسدها وتقضي طوعاً على جمالها.

قد تكون باريس إمرأة مثقفة، لا تغفو قبل أن تقرأ ألف كتابٍ في وقت تحرق بيروت مكتبتها وتنزع عنها ثوب الثقافة نحو الإستهلاك، لتغرقَ في الهمجية والرجعية والتخلف.

قد تكون باريس إمرأة عرفت كيف تحافظ على تاريخها وآثارها وذلك الجمال المعتّق في ثيابها القديمة دون أن يمنعها ذلك من الغوص في أمور الحاضر وتهيئة نفسها لتحيدات المستقبل، بينما تتخلّى بيروت عن تاريخ أقدم بكثير من تاريخ صديقتها الفرنسية، وتنفض عنها تراثها دون أن تطأ قدماً نحو المستقبل، لكنها تبقى مقتنعة أنها رائدة الحضارة والتمدن ولكنها في الواقع لم تعد تعرف من الحضارة سوى بعض قشورها...

قد تكون باريس إمرأة تعشق الفن فتقدّس رساميها وشعرائها وفنانيها وتكون بيروت المدينة التي طردت أصدقاءها الشعراء، ورمت عند صخور الروشة كل القصائد، وطاردت الرسامين في الشوارع وإستبدلت الأقلام بالسلاح حيناً والمال حيناً وبراقع المادة أحياناً أخرى، وإستبدلت مقاهيها الجميلة القديمة بمتاجر بيع الألبسة المستوردة.

قد تكون باريس سيّدة حالمة مجتهدة مصرة على تحقيق تطلعاتها، وتكون بيروت 
إمرأة مهملة كسولة تصر على التخلي عن أمجادها وركب سفينة الزمن إلى الوراء.

قد تكون باريس إمرأة حاضرة للعشق إمرأة تهتم بتفاصيلها لتبقى مثيرة معشوقة وتكون بيروت إمرأة خارجة من جداول الغرام إلا من قلوب عشاقها السابقين.

قد تكون باريس إمرأة تتلقى من كل بلد في الأرض ألف رسالة شوق وعشق، ويزورها ملايين العشاق والمعجبين في حين تنتظر بيروت ساعي البريد الذي لا يأتي وتلقي بذاتها فوق رمل البحر باكية على عشق رحل، وجسد ذبل، ومجد أفل.

قد تكون باريس فاتحة قلبها وبيوتها وحدائقها وشوارعها للعشاق من كل جنسيات الأرض، وتصر بيوت على تحويل أرصفتها التي كانت موطناً للحب إلى مواقف للسيارات.

باريس كبيروت شوّهت الحرب جسدها الأنثوي وفقدت أقرباء لها وأصدقاءً سقطوا شهداء بين يديها 
وفقدت أبناء هاجروها ولم يرجعوا، لكن باريس أصرت على الخروج - رغم فداحة الفاجعة وعمق الجراح - من الحرب إلى السلام، من الحقد إلى الحب من الموت إلى الحياة فزارت أشهر المعالجيين النفسيين وخضعت لألف عملية تجميل ودفنت الحرب ذكريات فوق حيطانها ... إلى غير رجعة.

أما بيروت فأسقطتها الحرب من عزّها الستيني-السبعيني ولم تقوَ على النهوض أبداً وأصرت على إجترار الحرب والإستسلام للكآبة واليأس والحفاظ على فوضى المقاتلين وغطرستهم، أصرت بيروت على رفض السلام والمحبة فبقيت صندوق بريد وساحة نزاع.

باريس أنثى إغتصبت من أهلها وجيرانها في وحشية لم يشهد لها العالم مثيلا من قبل لكنّها خرجت قويّة منتصرة. أما بيروت فغرقت في ألم إغتصابها وخرجت ضعيفة غير قادرة على مقاومة مغتصبيها الجدد وإن خفّت وحشيتهم وأضحوا يدخلون إلى غرفة نومها بثياب أنيقة حاملين الورد الذي يخفي ألف سكين وهي راضخة لا تقوى حتى على الصراخ أو طلب النجدة أو الشكوى.

قد تكون باريس سيدة ناضجة، فاتنة، حاضرة للعشق، 
وأكثر وأكثر بعد، لكن شيء ما في بيروت تفقده باريس ربما تحاول أن يكون لها ولكن ... دون جدوى 

فباريس رغم جمالها وحضارتها وتمدّنها وإنفتاحها وإهتمامها بنفسها وأنوثتها الراقية ... تراها حقاً شاحبة باهتة. 
باريس رغم أنوثتها وإنسانيتها ينقصها الكثير من الفرح، ليس ذلك الفرح الذي يصطنعه الفتية في الأزقة عن طريق الصراخ أو هذا الرقص المصطنع القصير المدة والمدى أو تلك البهجة التي تحدثها الكحول والحشيش.

باريس ينقصها ذلك الفرح "الطبيعي" الفطري، تلك "العجقة" الطبيعية التي تأتي متأصلة وتملأ المكان، تلك العفوية في المشاعر، تلك القدرة على التعبير الذي تميّز الشرق عامة وبيروت خاصة وتميز أيضا الكثير من صديقات باريس الأوروبيات، كالإسبانيات والإيطاليات والأوروبيات الغربيات وحتى تلك الصغيرة بروكسل.

قد تكون باريس أروع نساء الأرض. وتكون بيروت قد تخلت عن الإمرأة فيها، ولكن!...

إذا ما جلسنا أنا وبيروت كالراشدين وقررنا الإنفصال طوعاً، أو "تخانقنا" وقررنا إنهاء علاقتنا في ساعة غضب، أو إذا ما أصر أهل بيروت على أن أتخلى عنها قسراً، فلن تكون باريس حبيبتي البديلة، لأن القدرة على الفرح كالقدرة على الحياة...


بيروت، يا سيدتي، لماذا تصرين على دفن الإمرأة التي كنت، لماذا تصرين على قتل عشاقك جميعاً وهجرانهم، لماذا تصرين على دفن الفرح، يا سيدة الفرح؟

التدوينة على موقع CheckLebanon.com