الأربعاء، 13 أغسطس 2014

الحريري الأكثر تطرّفاً ... للإعتدال!

الصورة من الإنترنت

قد تنتمي إلى مدرسة رفيق الحريري أم لا، قد تؤيد أم تعارض الحريريّة السياسية وقد لا تستهويك مواقف تيار المستقبل ومسلكيته وسياسته ومواقفه، كما قد لا تؤيد سعد الحريري نفسه ولا يعجبك أسلوبه الخطابي و"تنمِّر" على أخطائه اللغوية.

وقد تكون مسلكية قادة هذه البلاد وزعمائها خذلتك على مدى عقود، وربما تكون من الأقليّة التي تحررت من الأغلال السوسيولوجية، النفسية، البيولوجية والفكرية التي تزرعها القبيلة والطائفة في المعصميْن والخلايا، فآمنت أن أحداً من هؤلاء الزعماء لن يقدر على تغيير الواقع المترهّل المتعفن على كل المستويات الوطنية والإجتماعية والأمنية والإقتصادية والحياتية، وأن مديح هذا أو ذاك على موقف لا يلبث أن يبدده القيادي نفسه ويجعلك تندم على الإيجابية والتسرّع.

لكن مما لا شك فيه، أنك كغالبية هذه الجمهورية وهذه المنطقة منذ أسابيع أو أشهر أو حتى منذ سنوات، غارق في بحر من القلق والخوف والإنتظار والكراهية والدماء والعنف. سنوات والمنطقة يمزّقها الحقد ودويّ الإنفجارات وصراخ الأطفال ودموع الثكالى وصرخات "الله أكبر".

 سنوات والكراهية تحوّل أقدم أراضي التاريخ إلى مستنقعات من الألم والبشاعة ومقابر لمئات الآلاف ولأحلام الملايين وأيامهم وأمنياتهم.
ولبنان يرقد بجسده الهشّ بين الكارثة والبحر، دولته في شلل كليّ ينتظر جلاء غبار المعارك - فقراره لم يأت يوماً من داخل الحدود – مجتمعه على حافة الإكتئاب إلى أن أتت أحداث عرسال فأدخلته حقاً في حالة مرضيّة، حيث انطوت الطوائف على ذاتها في حالة من الحذر والعزلة لم يخرجها منها الإنتصار الكبير للجيش الوطني بدماء شهدائه رحمهم الله.

وبين الصمت المخيف للستاتيكو السياسي، وعويل الرياح الصفر الآتية من خلف هذه الجبال، أتت عودة سعد الحريري حاملاً دعم المملكة العربية السعودية للجيش لتحدث خرقاً في جدار الخوف والقلق.

نعم وبإختصار أثلجت رؤية الحريري في السراي الصدور. نقلت الناس من حالة الخوف إلى حالة الدهشة. أقنعت الطوائف على الخروج من غرفها المغلقة بالرعب نحو الشمس مجدداً وإن لم تتخط كلياً حالة الإكتئاب. أحدثت خرقاً في هذا الجدار الأسود الكبير الذي بناه تراكم الأحداث. نقلت حديث الخوف وفوبيا "داعش" إلى التساؤل: كيف أتى الحريري؟ هل سيبقى؟ من أجل ماذا؟ الهبة؟ الرئاسة؟ وأعادت بعضاً من الهواء إلى رئتيْ الحياة السياسية القابعة منذ زمن في العناية المركّزة، تئنّ تحت وطأة الرتابة والإنتظار والشعارات الفارغة.

عاد الحريري "الاكثر تطرفاً للإعتدال"، وسط حالة عابرة للمكان والزمان من التطرف والحقد. عاد، في زمن قطع الرؤوس، لقطع رأس الفتنة فهل سيتمكن من ذلك؟

بـ "القمصان السود" خرج الحريري من لبنان، لكنّه عاد للإنتصار على القلوب السود، كل القلوب السود. فهل سيدعونه "يخرّب" "ثقافة الضغينة والإجرام ورفض الآخر" التي اتفقوا وعملوا وكدّوا على تكريسها منذ زمن؟

مما لا شك فيه أن المستفيدين من هذا القتال على أرض المسلمين والعرب كثر، ولن يتنازلوا عن هذه الفرصة الكبيرة، حيث يصفّي المتطرفون في الإسلام بعضهم بعضاً، ويثبتون أن إسرائيل الآحادية الدين هي التجربة القابلة للحياة، ويعطون إيران هوامش التفاوض، فهل سيتخلى هؤلاء عن مكاسبهم؟ هل سيسمحون لرفع راية إعتدال واحدة، وبيدِ سنيةِ أيضاً؟ والطرف الآخر هل سيقبل أن يكون الحريري هو "خشبة الخلاص"؟

مهمة الحريري صعبة ومعقدة في زمن أصبح الإعتدال عملة نادرة وفكرة محارَبة. فهل ينجح؟ هل تتعدى عودة الحريري تلك السعادة الجميلة في زمن قلّت فيه السعادة، لتصبح أساساً يبنى عليه حلم وطن ممنوع من الحلم، بالشراكة طبعاً مع سائر الاقلية الحاملة لواء الإعتدال؟
تحية للإعتدال، وتحية لكل مواطن "سنّي" – رغم أنني لا أهوى مخاطبة الطوائف – ما زال الإعتدال خياره رغم ما حصل في العقد الأخير، وإلى كل مواطن "شيعي" أيقن أن التطرف يولد من رحم الظلم والتطرف، وأن النار إذا ما دخلت في الهشيم اللبناني، ستقضي على الجميع .. الجميع.

سعد الحريري أهلاً بك في بلادك، يكفيك شرفا أن يكون خيارك الإعتدال وأنك أدخلت إلى قلوب الجميع بسمة ودهشة وسؤالاً في زمن القلق والخوف والدموع ...
وفقك الله وأبعد عنك المستفيدين من التطرف ... وزارعيه!