الخميس، 11 ديسمبر، 2014

بيروت وباريس ... ومعادلة الفرح



قد تكون باريس إمرأة جميلة، تهتم بأنوثتها ومظهرها لإرضاء رجلها وفي المقابل تهمل بيروت جسدها وتقضي طوعاً على جمالها.

قد تكون باريس إمرأة مثقفة، لا تغفو قبل أن تقرأ ألف كتابٍ في وقت تحرق بيروت مكتبتها وتنزع عنها ثوب الثقافة نحو الإستهلاك، لتغرقَ في الهمجية والرجعية والتخلف.

قد تكون باريس إمرأة عرفت كيف تحافظ على تاريخها وآثارها وذلك الجمال المعتّق في ثيابها القديمة دون أن يمنعها ذلك من الغوص في أمور الحاضر وتهيئة نفسها لتحيدات المستقبل، بينما تتخلّى بيروت عن تاريخ أقدم بكثير من تاريخ صديقتها الفرنسية، وتنفض عنها تراثها دون أن تطأ قدماً نحو المستقبل، لكنها تبقى مقتنعة أنها رائدة الحضارة والتمدن ولكنها في الواقع لم تعد تعرف من الحضارة سوى بعض قشورها...

قد تكون باريس إمرأة تعشق الفن فتقدّس رساميها وشعرائها وفنانيها وتكون بيروت المدينة التي طردت أصدقاءها الشعراء، ورمت عند صخور الروشة كل القصائد، وطاردت الرسامين في الشوارع وإستبدلت الأقلام بالسلاح حيناً والمال حيناً وبراقع المادة أحياناً أخرى، وإستبدلت مقاهيها الجميلة القديمة بمتاجر بيع الألبسة المستوردة.

قد تكون باريس سيّدة حالمة مجتهدة مصرة على تحقيق تطلعاتها، وتكون بيروت 
إمرأة مهملة كسولة تصر على التخلي عن أمجادها وركب سفينة الزمن إلى الوراء.

قد تكون باريس إمرأة حاضرة للعشق إمرأة تهتم بتفاصيلها لتبقى مثيرة معشوقة وتكون بيروت إمرأة خارجة من جداول الغرام إلا من قلوب عشاقها السابقين.

قد تكون باريس إمرأة تتلقى من كل بلد في الأرض ألف رسالة شوق وعشق، ويزورها ملايين العشاق والمعجبين في حين تنتظر بيروت ساعي البريد الذي لا يأتي وتلقي بذاتها فوق رمل البحر باكية على عشق رحل، وجسد ذبل، ومجد أفل.

قد تكون باريس فاتحة قلبها وبيوتها وحدائقها وشوارعها للعشاق من كل جنسيات الأرض، وتصر بيوت على تحويل أرصفتها التي كانت موطناً للحب إلى مواقف للسيارات.

باريس كبيروت شوّهت الحرب جسدها الأنثوي وفقدت أقرباء لها وأصدقاءً سقطوا شهداء بين يديها 
وفقدت أبناء هاجروها ولم يرجعوا، لكن باريس أصرت على الخروج - رغم فداحة الفاجعة وعمق الجراح - من الحرب إلى السلام، من الحقد إلى الحب من الموت إلى الحياة فزارت أشهر المعالجيين النفسيين وخضعت لألف عملية تجميل ودفنت الحرب ذكريات فوق حيطانها ... إلى غير رجعة.

أما بيروت فأسقطتها الحرب من عزّها الستيني-السبعيني ولم تقوَ على النهوض أبداً وأصرت على إجترار الحرب والإستسلام للكآبة واليأس والحفاظ على فوضى المقاتلين وغطرستهم، أصرت بيروت على رفض السلام والمحبة فبقيت صندوق بريد وساحة نزاع.

باريس أنثى إغتصبت من أهلها وجيرانها في وحشية لم يشهد لها العالم مثيلا من قبل لكنّها خرجت قويّة منتصرة. أما بيروت فغرقت في ألم إغتصابها وخرجت ضعيفة غير قادرة على مقاومة مغتصبيها الجدد وإن خفّت وحشيتهم وأضحوا يدخلون إلى غرفة نومها بثياب أنيقة حاملين الورد الذي يخفي ألف سكين وهي راضخة لا تقوى حتى على الصراخ أو طلب النجدة أو الشكوى.

قد تكون باريس سيدة ناضجة، فاتنة، حاضرة للعشق، 
وأكثر وأكثر بعد، لكن شيء ما في بيروت تفقده باريس ربما تحاول أن يكون لها ولكن ... دون جدوى 

فباريس رغم جمالها وحضارتها وتمدّنها وإنفتاحها وإهتمامها بنفسها وأنوثتها الراقية ... تراها حقاً شاحبة باهتة. 
باريس رغم أنوثتها وإنسانيتها ينقصها الكثير من الفرح، ليس ذلك الفرح الذي يصطنعه الفتية في الأزقة عن طريق الصراخ أو هذا الرقص المصطنع القصير المدة والمدى أو تلك البهجة التي تحدثها الكحول والحشيش.

باريس ينقصها ذلك الفرح "الطبيعي" الفطري، تلك "العجقة" الطبيعية التي تأتي متأصلة وتملأ المكان، تلك العفوية في المشاعر، تلك القدرة على التعبير الذي تميّز الشرق عامة وبيروت خاصة وتميز أيضا الكثير من صديقات باريس الأوروبيات، كالإسبانيات والإيطاليات والأوروبيات الغربيات وحتى تلك الصغيرة بروكسل.

قد تكون باريس أروع نساء الأرض. وتكون بيروت قد تخلت عن الإمرأة فيها، ولكن!...

إذا ما جلسنا أنا وبيروت كالراشدين وقررنا الإنفصال طوعاً، أو "تخانقنا" وقررنا إنهاء علاقتنا في ساعة غضب، أو إذا ما أصر أهل بيروت على أن أتخلى عنها قسراً، فلن تكون باريس حبيبتي البديلة، لأن القدرة على الفرح كالقدرة على الحياة...


بيروت، يا سيدتي، لماذا تصرين على دفن الإمرأة التي كنت، لماذا تصرين على قتل عشاقك جميعاً وهجرانهم، لماذا تصرين على دفن الفرح، يا سيدة الفرح؟

التدوينة على موقع CheckLebanon.com

الثلاثاء، 7 أكتوبر، 2014

أعزائي عباقرة فوضىستان ... لو أنكم


أعزائي عباقرة فوضىستان!
لو أنكم رفضتم أن تقتنعوا بأسطورة التزلج والسباحة وإقتنعتم بأن بلادكم تهرول نحو الجاهليّة وأنها لم تعد منارةً للشرق، لم تعد لها علاقة بالنور "من أصلو"..
لو أن بعضكم فهم في التمدن والتطور والحضارة شيئا إضافياً غير تعرية اﻷرداف والصدور واﻹستدانة ﻹقتناء سيارة فخمة..
لو أنكم فهمتم قيمة الحياة وحب الحياة بشيء غير السهر والسكر وجلسات السمر..
ّلو أنكم تعصّبتم إلى طوائفكم من أجل آلهكم أو ربكم وليس حقداً على اﻵخر أو نكاية به،
لو أنكم لم تصنفوا اﻵدمي ومحترم النظام وصاحب اﻷخلاق الحميدة في مرتبة "الحمار"، و"النصاب الحربوق" الذي يعرف من أين تؤكل الكتف في مرتبة "الشاطر الذكي"..
لو أنكم صرفتم قسطاً من عبقريتكم الفردية لمصلحة الجماعة..
لو أنكم تراجعتم عن شوفانيتكم لحظة واحدة..
لو أنكم أنزلتم رؤوسكم من فوق السحاب لتروا حقيقة هذا الشعب وهذه الجمهورية..
لو أنكم إحترمتم شيئاً من بقايا الدولة، ولو حتى إشارة المرور..
لو أنكم آمنتم بأن ربكم الذي خلقكم لم يكلّف زعيم الطائفة بحمايتكم وتقرير مصيركم..
لو أنكم سيطرتم على خوفكم من اﻵخر وأسقطتم أولئك الذين يجتمعون على تخويفكم من أجل حكمكم وإستعبادكم..
لو أنكم إستعملتم حرفاً واحداً من اﻷبجدية التي تفاخرون باختراعها لتتحاوروا في ما بينكم أو لتقدموا فكراً جديداً لوطنكم ومجتمعكم والآخرين..
لو أنكم مارستم ليوم، لدقيقة، ثقافة المحاسبة،
لو أنكم لم تفرّغوا كلمة "ثقافة" كلياً من مضمونها،
لو أنكم سألتم عن حقوقكم حتى قبل أن تساءلوا عن واجباتكم،
لو أنكم زرتم واحدة من تلك العواصم التي تسمونها "متطوّرة" - تاركين في مطار بيروت كبريائكم وفوقيتكم وأساطيركم - وتأملتم في هذه المدينة ما هو أبعد من المتحف والمعبد والمقهى والشاطئ والملهى الليلي،
لو أنكم أقل ماديّة وسطحيّة في التعاطي مع اﻷمور،
 لو أنكم ذهبتم أبعد من عشقكم الجميل الفريد جدّاً للحياة بسطحيتها، نحو عشقٍ حقيقيّ للحياة بعمقها وبقيمتها الإنسانية وقيمة الإنسان فيها..
لو أنكم قرأتم كتاباً واحداً في السنة..

لو لو لو ... لما إنتهت جمهوريتكم تحكمها زمرة من التجار والمقاولين واللصوص.. وأحلامكم يسطو عليها زعران ومسلحون، ومتطرفون.. ومستقبلكم معلّق بين الخوف والقلق والإنتظار عند أبواب السفارات.. ووطنكم صندوق بريد وساحة حرب ودماء وعويل..

ولما إنتهت خياراتكم بين داعش من هنا وحالش من هناك، وديكتاتور سفاح هنا، وكيان مغتصب للأرض دوماً .. هنا وهناك!

يمكنكم قراءة التدوينة على موقع

الأربعاء، 13 أغسطس، 2014

الحريري الأكثر تطرّفاً ... للإعتدال!

الصورة من الإنترنت

قد تنتمي إلى مدرسة رفيق الحريري أم لا، قد تؤيد أم تعارض الحريريّة السياسية وقد لا تستهويك مواقف تيار المستقبل ومسلكيته وسياسته ومواقفه، كما قد لا تؤيد سعد الحريري نفسه ولا يعجبك أسلوبه الخطابي و"تنمِّر" على أخطائه اللغوية.

وقد تكون مسلكية قادة هذه البلاد وزعمائها خذلتك على مدى عقود، وربما تكون من الأقليّة التي تحررت من الأغلال السوسيولوجية، النفسية، البيولوجية والفكرية التي تزرعها القبيلة والطائفة في المعصميْن والخلايا، فآمنت أن أحداً من هؤلاء الزعماء لن يقدر على تغيير الواقع المترهّل المتعفن على كل المستويات الوطنية والإجتماعية والأمنية والإقتصادية والحياتية، وأن مديح هذا أو ذاك على موقف لا يلبث أن يبدده القيادي نفسه ويجعلك تندم على الإيجابية والتسرّع.

لكن مما لا شك فيه، أنك كغالبية هذه الجمهورية وهذه المنطقة منذ أسابيع أو أشهر أو حتى منذ سنوات، غارق في بحر من القلق والخوف والإنتظار والكراهية والدماء والعنف. سنوات والمنطقة يمزّقها الحقد ودويّ الإنفجارات وصراخ الأطفال ودموع الثكالى وصرخات "الله أكبر".

 سنوات والكراهية تحوّل أقدم أراضي التاريخ إلى مستنقعات من الألم والبشاعة ومقابر لمئات الآلاف ولأحلام الملايين وأيامهم وأمنياتهم.
ولبنان يرقد بجسده الهشّ بين الكارثة والبحر، دولته في شلل كليّ ينتظر جلاء غبار المعارك - فقراره لم يأت يوماً من داخل الحدود – مجتمعه على حافة الإكتئاب إلى أن أتت أحداث عرسال فأدخلته حقاً في حالة مرضيّة، حيث انطوت الطوائف على ذاتها في حالة من الحذر والعزلة لم يخرجها منها الإنتصار الكبير للجيش الوطني بدماء شهدائه رحمهم الله.

وبين الصمت المخيف للستاتيكو السياسي، وعويل الرياح الصفر الآتية من خلف هذه الجبال، أتت عودة سعد الحريري حاملاً دعم المملكة العربية السعودية للجيش لتحدث خرقاً في جدار الخوف والقلق.

نعم وبإختصار أثلجت رؤية الحريري في السراي الصدور. نقلت الناس من حالة الخوف إلى حالة الدهشة. أقنعت الطوائف على الخروج من غرفها المغلقة بالرعب نحو الشمس مجدداً وإن لم تتخط كلياً حالة الإكتئاب. أحدثت خرقاً في هذا الجدار الأسود الكبير الذي بناه تراكم الأحداث. نقلت حديث الخوف وفوبيا "داعش" إلى التساؤل: كيف أتى الحريري؟ هل سيبقى؟ من أجل ماذا؟ الهبة؟ الرئاسة؟ وأعادت بعضاً من الهواء إلى رئتيْ الحياة السياسية القابعة منذ زمن في العناية المركّزة، تئنّ تحت وطأة الرتابة والإنتظار والشعارات الفارغة.

عاد الحريري "الاكثر تطرفاً للإعتدال"، وسط حالة عابرة للمكان والزمان من التطرف والحقد. عاد، في زمن قطع الرؤوس، لقطع رأس الفتنة فهل سيتمكن من ذلك؟

بـ "القمصان السود" خرج الحريري من لبنان، لكنّه عاد للإنتصار على القلوب السود، كل القلوب السود. فهل سيدعونه "يخرّب" "ثقافة الضغينة والإجرام ورفض الآخر" التي اتفقوا وعملوا وكدّوا على تكريسها منذ زمن؟

مما لا شك فيه أن المستفيدين من هذا القتال على أرض المسلمين والعرب كثر، ولن يتنازلوا عن هذه الفرصة الكبيرة، حيث يصفّي المتطرفون في الإسلام بعضهم بعضاً، ويثبتون أن إسرائيل الآحادية الدين هي التجربة القابلة للحياة، ويعطون إيران هوامش التفاوض، فهل سيتخلى هؤلاء عن مكاسبهم؟ هل سيسمحون لرفع راية إعتدال واحدة، وبيدِ سنيةِ أيضاً؟ والطرف الآخر هل سيقبل أن يكون الحريري هو "خشبة الخلاص"؟

مهمة الحريري صعبة ومعقدة في زمن أصبح الإعتدال عملة نادرة وفكرة محارَبة. فهل ينجح؟ هل تتعدى عودة الحريري تلك السعادة الجميلة في زمن قلّت فيه السعادة، لتصبح أساساً يبنى عليه حلم وطن ممنوع من الحلم، بالشراكة طبعاً مع سائر الاقلية الحاملة لواء الإعتدال؟
تحية للإعتدال، وتحية لكل مواطن "سنّي" – رغم أنني لا أهوى مخاطبة الطوائف – ما زال الإعتدال خياره رغم ما حصل في العقد الأخير، وإلى كل مواطن "شيعي" أيقن أن التطرف يولد من رحم الظلم والتطرف، وأن النار إذا ما دخلت في الهشيم اللبناني، ستقضي على الجميع .. الجميع.

سعد الحريري أهلاً بك في بلادك، يكفيك شرفا أن يكون خيارك الإعتدال وأنك أدخلت إلى قلوب الجميع بسمة ودهشة وسؤالاً في زمن القلق والخوف والدموع ...
وفقك الله وأبعد عنك المستفيدين من التطرف ... وزارعيه!

الاثنين، 21 يوليو، 2014

غزة والنتائج المحسومة


يسألك الأصدقاء والمتابعون عندما تمتنع عن التعليق عن حدث هام ما في هذه الدنيا أو موقف ما يشغل العالم عن سبب تحفظك أو غيابك، لا يقتنعون بحجة إنشغالك وأنت تنثر على حائط صفحاتك الخاصة مواقف يومية عن ما همّ في هذه الدنيا وما سخف، فيقول لك الكثيرون مثلا بصيغة الإستغراب أم العتاب: لم نرَكَ تعلّق على ما يجري في غزة ...
نعم. ﻷن ما يجري في غزة مؤلم كتاريخ العرب الحديث لا يحمل الكلام والمزايدة، ولأن ما يجري وهنا بيت القصيد - طال أم قصر - معروف النتائج.

ستنتصر المقاومة في غزة فعلت أو لم تفعل وسيخرج من تبقى من المنتصرين ليلقي خطابات النصر فوق الدماء والركام والآهات.
في المقابل سينتصر الصهاينة فعلوا أم لم يفعلوا وسيعودون بأيديهم الملطخة بدماء العزّل إلى الأراضي المغتصبة لينعموا بقسطٍ جديدٍ من التخاذل والصمت.
وحدهم العرب سيخرجون بسطرٍ جديد فوق صفحات الهزائم والضعف.

سيشرق فجر من الإنتصارات جديد والجرح الفلسطيني والعربي هو هو، وسيأتي من يبيعنا البطولات ويحاول تطبيعنا وتطويعنا بانتصار أفيونيّ جديد.
سينتصر الجميع ويبكي أهل غزة شهداءهم ولن يرجع إلى كنف الأرض الفلسطينية شبر مغتصب واحد.

لم يمن عليّ آله السموات واﻷرض بنعم كنعم الحايك وعبد اللطيف وغيرهما ولا أرمي إلى قراءة الغيب ولم تسقط علي البارحة وأنا ذاهب إلى عملي أية نبوءة أو صورٌ مشفّرة، غير أن هذا الفيلم اﻷميريكي-اﻹيراني الطويل شاهدته قبلاً من جهة. ومن جهة أخرى إن الشعوب التي حولت نفسها عبر التاريخ إلى ساحات معارك وصناديق بريد وطاولات مفاوضات يسهل التنبؤ بنهايات أحداثها كما يسهل قتلها وإذلالها وبيعها وشراؤها وضخ أفيون اﻹنتصارات في عروقها وإطعامها الشعارات المزيفة واﻷساطير..!
مجدداً، الشعوب كالفرد، إذا ما هانت أنفسها عليها هانت على الجميع.

ومجدداً، تحية إلى كل طفل عربي رفع ويرفع حجراً ليواجه مجنزرة محتل غاصب، أو دبابة طاغية مجرم وعميل ... 
تحية إلى من قاوموا من أجل فلسطين ومن أجل فلسطين فقط ... إذا وجدوا..!

(لقراءة التدوينة على موقع checklebanon.com)

الثلاثاء، 27 مايو، 2014

كلمة مناسبة واحدة تملأ "الفراغ" !

ولقد دخلنا في الفراغ.

كل عاقل يعرف أن شغور رئاسة الجمهورية له ما له من تداعيات سلبية على البلاد، حاضرها، أمنها وإقتصادها.
وإن كارهي الرئيس سليمان كما محبيه يعلمون أن الرجل وإن لم يوصل السفينة إلى بر اﻷمان، إلا أن وقوفه في وسطها وتعامله كرجل دولة مع الواقع المحلي واﻹقليمي والدولي حالا دون تخبطها في صخور التطرف وغرقها المحتم.
أما الفراغ، فغريب أن يعتبره البعض حالة جديدة أو مستجدة ووضعاً لم تألفه البلاد ...


أليس إنتخاب الرئيس، إما بجزمة المحتلّ أو باتفاقات المتناحرين في المدن العربية من الطائف إلى الدوحة حالة حقيقية من الفراغ؟
أليست رئاسة المجلس النيابي التي تحولت إلى مؤسسة خاصة برئيس مجلس إدارة لعقود هو الفراغ بعينه؟
والمجلس المنتخب على أساس الحقد الطائفي، والذي لا تتفق كتله النيابية إلا عند اقتسام جبنة المال العام والخاص، هذا المجلس الفاقد الشرعية، الممدّد له قسراً أليس حالة من حالات الفراغ؟
والحكومات التي لا تصل سوى بـ "القمصان السود" أو باﻹتفاقات السود، الحكومات غير القادرة على وضع أي برنامج إقتصادي أو تصور إجتماعي، المتابِعة لبعض اﻷمور فقط لحفظ ماء الوجه، تلك الحكومات المنظمة لصفقات هل تملأ الفراغ؟
هذا فضلا عن الفراغ الحقيقي أو مجموعة الفراغات التي يعاني منها الشعب! فراغ في معرفة الحقوق والواجبات، فراغ في ثقافة المطالبة بأبسط الحقوق، فراغ في القدرة على القيام بأي تغيير وطني حقيقي شامل، بأي عمل جماعي منتج على حساب العبقرية والنجاح الفرديين، الفراغ في الوطنية البعيدة عن اﻷغاني وملاحم البطولة، وفي العلمانية البعيدة عن الشعارات والرايات، وفي الدين البعيد عن التطرف والحضارة، البعيدة بدورها عن التقليد والقيم.
ولعل فقدان هذه القيم أو التخلي عنها هو الفراغ الحقيقي .. ذلك الفراغ اﻷخلاقي المدمر!

إن وطنا وشعبا لا يقدران على إنتاج صيغة قابلة للعيش، ورؤية لمستقبل أفضل، وخطة لقيامة حقيقية، وحل لمشكلة واحدة، أي مشكلة، يجسّدان الفراغ بما للكلمة من معنى، وإن ملأت المسرح بعض الدمى المتحركة.
إن وطنا وشعبا غارقان في حالة من اﻹنكار لهذا الواقع المترهل، غائبان في وهم أسطورة الشعب العنيد "الحربوق"، والوطن الرسالة، والبحر القريب من الجبل، تلك الحالة الهيولية التي تمنعهما من معرفة القيمة الحقيقية للدولة والوطن والإنسان، والعلاقة الصحية بين الدولة والشعب، سيبقيان في نظر اﻷمم التي تخطت تلك الوقائع والتساؤلات والحوارات واﻷزمات منذ عقود، أمما فارغة ومتخلفة.

إن شعبا ونظاما غارقان في الحقد والفرقة والطائفية لن ينتجا سوى مجلسا من الفراغ وحكومة من الفراغ ورئيسا ينظّم الفراغ. إن الفراغ الحقيقي في هذا النظام منذ نشأته وما أنتجه من أزمات أمنية وإقتصادية وإجتماعية وأخلاقية وكارثية هو في تكريسه الطائفية التي فرغته من أي مضمون وفرغت البلاد من أية قدرة على التغيير وفرغت القلوب من أية عاطفة جماعية وطنية جامعة، وفرغت الرؤوس من أي فكرة إعمارية إبداعية تغييرية على مستوى الوطن وفرغت الإنسان من أي قيمة.

غذا سينتخبون لنا رئيسا ونخرج من زمن الفراغ ...
لكن ما دمنا قابعين تحت نير الطائفية والنظام الطائفي، فسيعيد التاريخ نفسه ألف مرة حتى وإن أتوا بأقوى رجال الموارنة وأكثرهم حكمة وحنكة ونشاطاً وديناميكية وإنفتاحاً وإبداعاً وشجاعة وبطولة.
سيعيد التاريخ نفسه إلى أن نملأ الفراغ بالكلمة الوحيدة المناسبة ... العلمانية.
بعدها فقط تأتي كل الكلمات التي تبني دولة .. ووطنا!

التدوينة على موقع CheckLebanon

الجمعة، 9 مايو، 2014

ياسمينة تغفو ... فتغفو الحياة المسرعة


في عينيّ "ياسمينة"
ليلٌ يضيؤُه قمران
فوق شاطئٍ أندلسيٍّ بطولِ المدى
وأنا هناك
وشدوُ قيثارةٍ عربيُّ الهوى
وأنا هناك 
وراقصاتٌ من الغجر
ينشِدنَ بفرحٍ
"أتركْ خلفك الدنيا

وهمَّ الدنيا
وتعبَ النهار"
فتطبقُ ياسمينة عينيها البحريتيْنِ
وتغفو
وأنا

أترك خلفي الحياة المسرعة
ألقي بنفسي فور الرملِ الرقيقِ
وأغفو

فوق خديّ "ياسمينة"
سهولٌ من القمحِ لا تنتهي
وأنا هناك 
أركض بين ذهبِ السنابل
نحو الشمس
وأنا هناك 

أرقصُ كالمجنون
أصرخُ كاﻷبله

"سأتركُ خلفيَ الدنيا
وهمَّ الدنيا
وتعبَ النهار"
فتطبق ياسمينة عينيها الدافئتيْنِ
وتغفو
وأنا

أترك خلفي الحياة المسرعة
ألقي بنفسي بين سنابل الخيرِ
وأغفو

ياسمينة 
ككل ليلة 
ترفض النومَ 
كل الملائكة في عينيها
قد أرهقوا
وهي لم تكتفِ بعدُ من فيضِ الدلال
وفي غفلة منها
يطبقُ الملائكة جفنيْها بهدوء 
فتغفو
وأنا هناك 
أترك خلفي الدنيا 
وهمَّ الدنيا
وتعبَ النهار
والحياةَ المسرعة
أقبَّلُ عينيها الملائكتين
وألقي بنفسي بين أحلامها الصغيرة
وأغفو

الاثنين، 10 مارس، 2014

سيداتي ... أبعد من مطالبكن المحقّة

في #يوم_المرأة_العالمي
نعم لنزول اللبنانيات إلى الشارع ليطالبن بأبسط حقوقهن 
وليقلن 
لا للعنف الأسري
لا لقتل 
لا لإفلات المجرمين من العقاب


أبعد من ذلك،
نعم لنزولهن جميعاً إلى الشارع كل أم وأخت وزوجة وإبنة على امتداد الوطن وليس فقط في هذا اليوم وفي هذه المناسبة، بل تحرك يومي تصاعدي شامل مستمر ليقلن لهذا المجتمع الذكوري الغارق في العنف والحقد والفشل وعشق السلطة والدماء:
لا
لا للحرب
لا لقتل أبنائنا وإخواننا في حرب ليست حربهم إلى أي جهة إنتموا
لا لخطفهم
لا لتهجيرهم  
لا للتفجير
لا للخوف
لا للفقر
لا للمخدرات
لا لسقوط القيم
لا لتحويل الوطن إلى ساحة قتال
لا للرجوع ألف سنة وأكثر إلى الوراء
لا للجشع والكذب والسرقة وبيع المستقبل والوطن

فربما تكون ثورتهن هي الثورة الحقيقية الغير المرتهنة والصادقة والقادرة على التغيير
فهن في النهاية  "أم الصبي" الحقيقية و"أم البنت" أيضاً وعليهن تقع مسؤولية الصرخة الأولى النابعة من الوجع الحقيقي 
يا نساء هذه البلاد
إتحدن
وإنتفضن
ليس من أجل قضاياكن المحقّة فحسب بل من أجل أبنائكن وبناتكن،
من أجل هذه الأرض وهذا المستقبل وهذا الوطن ...


الاثنين، 20 يناير، 2014

زبالة بزبالة

تفاجئ سكان العاصمة وضواحيها، القابعين تحت رحمة أحادية سوكلين من جهة ونأي الحكومة بنفسها عنهم من جهة أخرى، بجبال الزبالة ترتفع قرب بيوتهم فتجهّموا وغضبوا وشتموا وسبّوا وناموا وطبّوا.
إرتفعت اﻷصوات ﻷن الزبالة أصبحت مرئية بالعين المجردة ونحن شعب عنده ميزة فريدة وعظيمة - ربما هي ما يساعده في البقاء على قيد الحياة أو تأجيل الموت فقعاً لكنها بالتأكيد تعجِّل الموت بأشكال أخرى - وهي عدم قدرته على إدراك الحالات الغير مرئية وانفعاله الوقتي القصير مع هذه الحالات إذا ما تجلّت.

تجسدت النفايات أمام أعينكم أيها المواطنون وإجتاحت أنوفكم فتفاجأتم كأنه لقاؤكم الأول بها، كأنكم لا تواجهونها بأشكال متعدّدة كل يوم منذ سنوات أو عقود؟!
ماذا عن التلوث الذي يحيط بكم من كل حدبٍ وصوب؟ أﻻ يزعجكم تلوث الهواء والغذاء والتلوث السمعي والبصري والإعلامي واﻹجتماعي والسياسي والأخلاقي والقيمي؟
ألا تشعرون بأطنان الزبالة في نشرات اﻷخبار والبرامج السياسية أو حتى في بعض البرامج الفنية والمساطر الزبالة التي تسوقها؟
ألم تسمح لكم الفرصة السعيدة أن تزوروا التلال المحيطة لبيروت في يوم ربيعي صافٍ لتروا تلك السحابة السوداء التي تظللكم وتظلل عاصمتكم؟
ألم تسمعوا قبل باللحم الفاسد والمياه الفاسدة وأعظم من ذلك الدواء الفاسد؟ من حاسب أولئك الذين مرروا الزبالة في اللحم والدواء إلى أجسادكم؟ هل سألتم كيف إنتهت هذه القضايا؟ هل كانت الحالات الوحيدة أم أن زبالة أخرى قد زُرعت في أنسجتكم دون "همروجة" إعلامية؟
هل تقودون سياراتكم وتستمتعون بأخلاق الكثير من شركائكم في الوطن؟ ألم تلاحظوا أنها أخلاق ... زبالة؟
هل أدركتم وبعد كل هذه السنوات من التعايش والأخوّة والمحبة، ما يخبّأ في النفوس من مشاعر ونوايا ﻷولاد هذه الطائفة تجاه أولاد الطائفة "الكريمة" اﻷخرى، وهذه القبيلة تجاه قبليّي القبيلة اﻷخرى، وأولاد العشائر واﻷحياء والزواريب والسراديب والمحاور تجاه أي آخر؟ أليس أفضل ما يصف تلك النفوس هي "الزبالة"؟ الزبالة المعجونة بالحقد والضغينة والفوقية والطائفية والعنصرية واﻹلغاء والهمجية.
هذا بعض من زبالة البلد دون أن نلقي نظرة واحدة على مطامر دوائر الدولة والصفقات والمحسوبيات واﻹهمال والمحاصصة ومستوعبات أهل السياسة وعقول من يأتي بهم إلى الحكم.

مشكلتنا أننا غارقون في الزبالة وفي حالة اﻹنكار لوجودها أو إذا ما قبلنا فنصرّ أن الوضع الزبالة الذي نعيش مفروض علينا رغم أننا مقتنعون بأننا أذكى بني البشر.
مشكلتنا أننا غارقون في هذا الوضع إلى درجة لم نعد نستطيع رؤية الحياة النظيفة والمواقف النظيفة والقيادات النظيفة والناس النظيفة والبلدان والمجتمعات واﻷخلاق والقيم النظيفة ولم نعد للأسف نعرف القيمة الحقيقية للنظافة.
غدا ستعود الشاحنات الخضراء لتنظف الشوارع فيسحب الحدث من النقاش مع إنحسار الرائحة النتنة، فهل سيأتي يوم تنظف فيه النفوس واﻷيادي والعقول الخضراء هذا الوطن ... من زبالته.