الأحد، 8 ديسمبر، 2013

الرجل الأنيق والسيدة المزعجة - قصة واقعية من يوميات العاصمة الفرنسية

مصدر الصورة: غير معروف
إلى ذلك "الباص" الباريسي تصعد السيّدة الستينية وهي تكلم سيدة أخرى عبر هاتفها الجوال بصوتٍ مرتفع.
كان صوتها يملأ الحافلة إلى أن قطعه سيّد سبعينيّ أنيق "وهو يتحضر للنزول" قائلاً: "Madame! Vous parlez à haute voix et vous derangez tout le monde." "سيدتي! حضرتكِ تتكلمين بصوتٍ مرتفع وتزعجين الجميع." 
أنهت السيدة مكالمتها بجملة لم نسمعها وتقدمت بإعتذار من الرجل الذي كان يهم للنزول ثم توجهت إلى وسط الحافلة وقدمت إعتذارها إلى الجميع بخجل موضحة أن "ما فعلته لم يكن جيداً ولكنه أيضاً لم يكن مقصوداً!".
جلست السيدة في المقعد المخصص للمسنين وكان البعض ينظرون إليها نظرةً مُطَمئِنة مع إبتسامة وآخرون نظرة "بتستاهلي" ولكن بلاطفة، كما أن البعض لم يتأثروا بكل ما حصل وكأنه لم يحصل.

قد تبدو هذه القصة سخيفة؛ وقد تتكرر كل يوم في وسائل النقل المشترك أو على الطريق أو في اﻷماكن العامة في بلاد تحافظ على قيمها وتعزّزها وتعتبر إزعاج اﻵخرين ممنوع ليس بقوة الشرطة والدولة بل برقابة اﻷشخاص وثقافتهم وتربيتهم وفقاً للعقد اﻹجتماعي الذي ارتضاه المواطنون في ما بينهم وبينهم وبين السلطة وهنا بيت القصيد.

نزل الرجل المسن، كان يبدو فخوراً لأنه ساهم في إرساء قاعدة عدم إزعاج الآخرين خاصة أن لا ناقة له ولا جمل فهو كان يريد النزول على المحطة القادمة وكان يمكنه أن يستريح من صوت تلك السيدة المزعج دون أن يتكلف عناء توجيه الملاحظة لها وما قد يتأتى عن ذلك من ردة فعل سيئة، ردة فعل سيئة؟ ربما هذه الفكرة لم تراوده حتى.

أنا أعشق النقل العام في هذه المدينة، أحاول أن أستعمله حتى وإن لم أكن بحاجة إلى التنقل بعكس الكثيرين الذين تزعجهم "رائحة المترو وزركته مثلاً"، ففي النقل العام فرصة للتأمل في طبائع الناس وتصرفاتهم، فرصة للجلوس ولو لوقت قصير مع الذات، فرصة للقراءة فرصة لعشاق الكلمة لكي يضعوا فكرة لتعليق أو تدوينة أو مقال أو رواية أو ... قصيدة.

نظرت إلى تلك السيدة وخطرت في بالي فكرة إسقاط "السيناريو" على الواقع الفوضىستاني: شخص ما يزعج مجموعة من الأشخاص في مكانٍ عام والأمثلة كثيرة (تدخين في صالون المستشفى، صفِّة بنص الطريق، زمور بآخر الليل، بطل جايي بعكس السير وبدو يرجع عشر سيارات ...) وهذا ما خلصت إليه من أسئلة:
  • هل سيجرؤ أحدهم على مواجهة هذا الشخص والقول له أنه يزعج الآخرين بغض النظر عن مستوى الإزعاج؟
  • هل سيقول له ذلك بأسلوب هادئ ومحترم كما فعل الرجل الأنيق؟
  • كيف سيتقبل هذا "المزعج" التعليق هل رح "يركب مشكل"؟ هل يعتذر؟ هل يفهم أنه قد أزعج الآخرين وإنتهك حقوقهم وأن ليس له الحق والأفضلية للقيام بذلك؟
  • هل - وهذا مهم جداً - سيشعر المنزعجون بالإنزعاج أم أنهم تأقلموا مع فكرة أن غيرهم يستطيع إزعاجهم وتنازلوا جَماعيّاً عن حقهم في ألا يزعجوا؟
بإختصار إن ما قام به هذا الثنائي ليس - أو ربما لم يعد - حدثاً موجوداً وطبيعيّاً ومألوفاً في حياتنا اليوميّة. نحن نحيا في مجتمع مختلف وبعيد كل البعد عن هذا المستوى الحضاري من التعاطي، وعن المفاهيم والقيم والقوانين المحرِّكة له والمختبِئة خلفه.

المشكلة أكبر من إمرأة تتحدث بصوت مرتفع في مكانٍ عام. المشكلة أكبر من خطأ أكبر من ملاحظة من تعليق من "مشكل"، المشكلة هي في الواقع الإجتماعي في رؤية المواطن للمواطن الآخر، وعلاقة المواطن بالمواطن الآخر، في إحترام المواطن لحقوق الآخرين وحريتهم وحياتهم وحقوقه وحريته وحياته.

المشكلة هي في غياب ذلك العقد الإجتماعي - إذا أمكن القول - ذلك الإتفاق الغير مكتوب والغير موثّق، ذلك القانون الذي تفرضه التربية والقيم والأخلاق إلى جانب القانون الحقيقي الذي تضعه السلطة أو مجموعة السلطات، ذلك الإتفاق الذي يفرض على المواطن أن يراقب نفسه وتصرفاته ويحترم الآخرين ويعرف حدوده فلا يتخطاها وذلك دون رقابة السلطة والشرطة.

المشكلة في غياب ثقافة معرفة الحقوق وحمايتها، في غياب رقابة المجتمع على ذاته ورفضه لمن يخرج عن قيمه وقوانينه التي وضعتها سنواتٌ من التفاعل.

أنا لا أجرد الدولة أو السلطة من مسؤولياتهما، "فالحكم ملح الأرض"، والدولة يجب أن ترعى تطبيق القوانين وتسهر على سلامة المجتمع وتوجّه وتراقب وتطوّر وتحاسب وتساعد المجتمع على الحفاظ على قيمه، وإن حالة اللادولة التي نحيا قد ألقت بظلها على المجتمع ولعلنا اليوم ندفع ثمن هذا الغياب. لكن المسؤولية تقع على الجميع، المجتمع المدني والجمعيات والأحزاب والمؤسسات التربوية والإعلام والمواطن ... كل مواطن.

لقد قالت لي تلك السيدة وأفهمني ذلك الرجل دون أن يوجها لي الحديث، أن ما فقدناه في هذه الجمهورية ليس فقط الأمن والسلام والإقتصاد المستقر ومفهوم الدولة، أن ما فقدناه هو مجموعة قيم كانت تحمي المجتمع حتى في خضم الحرب الأهلية، أن الوضع الإجتماعي الذي لا يحظى باهتمام أحد هو الكارثة الحقيقية التي تضرب البلاد والتي قد تكون أكثر فداحة من الكوارث المتأتّية عن الأوضاع الأمنية والإقتصادية والسياسية.

قد تنتهي مشكلاتنا الأمنية بإتفاق إقليمي ودولي، ويتحسن الوضع الإقتصادي بقرار وخطة ومساعدات، لكننا إذا ما فقدنا قيمنا وأخلاقنا سيلزمنا أجيال لترميمها، فهل سنواصل السير،نحو الهمجية، بخطى ثابتة؟