الأربعاء، 24 أبريل 2013

لا تلوموا حزب الله … صلّوا لأجله



لا تلوموا حزب الله، اليوم، على تدخله المباشر في الأزمة السورية تحت شعار الواجب الجهادي،لا تلوموه على إرساله المقاتلين لدعم نظام الأسد، على مشاركته في قتل السوريين، على توجيهه بندقية "المقاومة" في غير إتجاهها الصحيح.
إن أقل ما يحتاجه الحزب، في هذه الأيام العصيبة وفي هذه المرحلة التي قد تكون الأكثر حرجاً في تاريخه، هو الملامة.
الحزب يخوض حرباً جديدة مختلفة، على أرض لا تشبه الأرض التي خبرها وخبر ترابها وتضاريسها وأنفاقها، وفي مواجهة عدو لم يغتصب أي أرض وأي حقّ، يقاتل على أرضه، أرضه منذ آلاف السنوات، حرب يجب تبريرها أمام الجمهور وأمام الآخرين كل يوم بحجج لا تقنع حتى قيادة الحزب نفسها.
أقل ما يحتاجه الحزب، في هذه الأيام ، هو الملامة. فمن كان يدفن شهداءه الأبطال تحت نور شمس الإنتصار والفخر والعز يفعلها اليوم تحت جناح الظلام.

ببساطة. حزب الله لا يلام اليوم، فهو يسدد حسابات قديمة، ويدفع فواتير وكمبيالات مستحِقّة لنظام الأسد ونظام المرشد الأعلى، تسديد حسابات كان سيأتي عاجلاً أم آجلاً. بعض الدفعات الصغيرة صُرفت هنا وهناك، ولكن اليوم استحق "الدَين الكبير"، وصاحب الدين في وضع لا يسمح له بالإنتظار أو التأجيل أو التخفيض أو تغيير نسبة الفائدة حتى.

حزب الله لا يلام على ما يفعله اليوم بل على الخيارات التي أوصلته إلى ذلك:
  • على سياسة عمرها ربما ثلاثة عقود، على مشروع خُطّط له، على إستراتيجية اعتمدت ومواقف اتخذت دون التفكير بالثمن الباهظ الذي قد يُدفع يوماً ما، (وقد أتى الثمن أكثر مما هو متوقع: خسارة الرأي العام العربي وغالبية الرأي العام اللبناني، شهداء في غير محلهم، والأهم خسارة للبعد الوطني وانزلاق في حرب طائفية  ...).
  • على رهانه أن دولةً كبرى كإيران، لها ما لها من مصالح إقتصادية وسياسية وفيها ما فيها من قدرات إقتصادية وعندها ما عندها - رغم كل القمع - من آراء وتوجهات،  تهتم حين تكون مصالحها أو "مصيرها" مهدداً "لحيثيات وبيئة وتوجهات وخصوصيات ومستقبل" مجموعة دعمتها هنا أو أنشأتها هناك. 
  • على قناعته أن هكذا دولة يمكن أن تقحم نفسها أرضاً وشعباً ومقدّرات في حرب تمحو إسرائيل من الوجود، على رهانه في النهاية أن الدول وفي معاركها المصيرية أو التوسعية أو الوجودية تعطي دون مقابل.
  • على أنه لم يأخذ المثل الفرنسي الهام "Qui donne ordonne" (من يعطي يأمر) بعين الإعتبار، وهنا لبّ المشكلة، فمن وهب المال والسلاح والتغطية الإقليمية والمدرّبين والمقاتلين والخبراء ورجال المخابرات والدعم الخارجي... له الأمر وله وحده، وما على المتلقّي سوى التنفيذ وربما يوماً - إذا أمكن ذلك - الإعتراض.
  • على رهانه أن إيران تؤمن بقضية إسمها فلسطين وتبذل الغالي والنفيس في سبيل تحريرها، وهو رهان يشبه رهان بعض المجموعات والدول على الولايات المتحدة في دعم الديمقراطية والحفاظ على حقوق الإنسان.
  • على رهانه - وهو الذي خبر الظلم ومعنى أن يُظلم المرء أو تُظلم الجماعة - أن الشعوب العربية لن تستفيق في يومٍ ما لإسقاط طغاتها وأن الدور لن يصل إلى نظام الترانزيت في سوريا.
  • على استعداده لإعادة تكرار "المغامرة الفاشلة بالتفرد في حكم هذه البلاد" وجهله أن هذا البلد الصغير لا يحكم من حزب أو دولة أو جماعة  أو طائفة، فهذا البلد محصّن كثيراً لكي لا يكون ملكاً لأحد، ليس بوطنية أبنائه بل بطائفيتهم وتبعيتهم وحقدهم بعضهم على بعض، وليس بغيرة أي من الدول عليه بل بموقعه الذي يجعله مساحة إقليمية لا ترغب أي من الدول الكبيرة في خسارتها.
  • على رهانه أن الفوقية والغطرسة التي اتبعت - بفعل التماثل بالأنظمة القمعيّة والشموليّة - وممارسات التخوين وتصنيف الناس على سلّم الشرف وترويعهم بالسلاح والقمصان السود، يمكن أن تخدم المشروع المشبوه أو القضية النبيلة ويمكن أن تُخضِع الناس في هذا الوطن بالذات وفي هذه الأيام التي تعصف فيها رياح التغيير.
  • على قناعته أن مجتمعاً ما يمكن أن يتقبل أو يتبنى - مهما طال الوقت وازدادت الضغوط - مشروعاً لا يمثله ولا يشبهه ولا يلبّي رغباته الواعية وغير الواعية ولا يرتبط به لا من ناحية الثقافة ولا التاريخ ولا اللغة ولا الدين ولا التوجهات ولا المصالح ولا حتى المشاعر والأحلام. 
  • على قراره أن يغرّد بعيداً عن بيئته (اللبنانية - العربية) الطبيعية ...
حقاً ليس الوقت اليوم لإلقاء الملامة على حزب الله، الوقت اليوم هو للصلاة من أجله ...
الصلاة ليخرجه الله من محنته وقد سدّد حساباته وتعلم الدروس وخبر ثمن الإرتباط بالمشروع المستورد وعرف أن المغامرة وصلت إلى خواتيمها بما فيها من إنتصارات وهزائم ونجاح وفشل وعزَّة وذل.
الصلاة ليخرجه الله من محنته قبل أن يضع البلاد ويضع الطائفة الشيعية في مهب ريح الإنتقام وتصفية الحسابات.
علّه وإن خرج من محنته، يُخرج هذه البلاد بدورها من محنتها التي آن لها أن تنتهي، ويحميها من العاصفة التي بدأ هديرها - وللأسف - يسمع شمالاً.