الجمعة، 22 فبراير 2013

الأورتودوكسي "الإهانة" وصحة التمثيل ... في الفيلم الطويل


يحاول عقلي بصعوبة كبيرة تصديق أن قانون ما يسمّى "اللقاء الأورتودوكسي" تعدّى مجرد فكرة يخجل بها من يطلقها، إلى حقيقةٍ قد تحدد مستقبل وتوجهات وطن وشعب.

القانون وصحة التمثيل
أضعف الإيمان أن تؤمن الإنتخابات - نيابية كانت أم بلدية أم غيرها - صحة تمثيل الشعب المؤمن بمبادئ وأفكار وتوجهات وتتطلعات والمتبنيّ لرؤية ومشروع عمليين مرتبطين بمستقبل بلاده ومستقبله في هذه البلاد. أما إقرار قانون "يؤمن" صحة التمثيل على أساس "الطائفة" في بلاد متداخل فيها "الحابل بالنابل"  فضرب من ضروب تجذير الفرقة والتخلّف والتبعيّة وتثبيت الإنقسام في النصوص والنفوس.

كأن البلاد على كل المستويات غارقة في التراجع والفشل والإهتراء لأن المجلس النيابي لا يمثل الطوائف تمثيلاً صحيحاً، وعجلة الإقتصاد متوقفة لأن القانون الإنتخابي لم يحدد إن كان عون يمثل المسيحيين أم سمير جعجع. وعندما تتأمن صحة التمثيل سيعود المواطن في اللحظة التي تُعلن فيها النسب المئويّة إلى بيته، ليجد التقنين قد توقف والأمن مستتب والسلاح في يد الدولة، فيغرق في البحبوجة والطمأنينة والسلام وتزدهر البلاد وتعم الأفراح في ديار الممثَّلين تمثيلاً صحيحياً.

من جانب آخر، لقد أمّنت القوانين السابقة بعض من التمثيل المقبول وكانت الحكومة التي تشكلت بعد الإنتخابات الأخيرة تضم "كلّ"الأطياف (حتى الفريق الذي خسر الإنتخابات) فأسقتطها القمصان السود التي لا ولن ولم تمثل بفلسفة العنق والإستئثار والقوة حتى ولو جزء صغير من اللبنانيين على مختلف انتماءاتهم، لكن السلاح قد فرض سقوط الحكومة فكيف كانت صحة التمثيل ستحول دون ذلك؟

إنهم - جميعاً - يجيدون صحة التمثيل على هذا الشعب الذي ما زال واقفاً كالأبله في طوابيرٍ أمام صالات العرض التابعة لطائفته، يدفع ثمن التذاكر من مستقبله ودمه وعرقه وحزنه، يدفع لهم ليمثلوا عليه، ويدخل لمشاهدة الفيلم الأميريكي الإسرائيلي الإيراني السعودي الفينيقي العربي الغربي الطويل الذي يُخرجه تخلفنا وحقدنا وخوفنا من الآخر وتُنتجه تبعيتنا وضعفنا وفكرة الإستقواء والإستعلاء الكامنة في قلب هذا الشعب الهارب من الخوف إلى الخوف. نعم إنها صحة التمثيل الذي قد يكون الأورتودوكسي مجرّد دور متفق عليه، قد تسدل عليه الستارة قريباً.

القانون الخديعة
على الأغلب سيخرج الممثلون قريباً ليعلنوا انتهاء العرض "الأورتودوكسي" الشيّق.
فقوى الثامن من آذار من جهة، طرحته لتأجيل الإنتخابات وبكلام أوضح لتمديد عمر الحكومة التي تؤمن الدعم المادي والمعنوي واللوجستي لنظام القتل في سوريا، ومن جهة أخرى باع الكتائب والقوات موقفاً للمسيحيين على حساب سنين من النضال كانت قد تتوجت بتبني الطوائف الأخرى فكرة "لبنان أولاً" لما لهذه الفكرة من أهمية معنوية ومادية على صعيد الخطاب الذي يطرحه هذان الحزبان والذي تم نسفه على قاعدة الطائفة أولاً بلحظة حقيقةٍ أو تخلي؟ أما ميشال عون فقد حقق هدفه المنشود - إيهام المسيحيين بأنه استرجع لهم حقوقهم وأن لولاه لا وجود للهواء الذي يتنفسون ولا للتراب الذي يدوسون - وهو كان قد أعاد الحقوق في القانون الماضي وفي الدوحة وفي الحكومات المتعاقبة أيضاً، وسيبقى يعيد الحقوق إلى أن تعود الكهرباء إلى البيوت والنور إلى البصائر والضمائر. أما الحريري وجنبلاط فقد حققوا وساماً وطنياً لا ندري إن كان منطلِقاً من الحرص على الوطن و"العيش المشترك" أو من النتائج المتوقعة للأورتودوكسي.

القانون "الإهانة"
ليس "الأورتودوكسي" مجرد قانون يُمرّر في غفلة الشعوب، وهو - رأى النور أو لم يره - إهانة لكل مواطن مؤمن ببقاء هذا البلد رغم شوائبه وتجارب التعايش الفاشلة فيه.
نعم إنه إهانة ورجوع مئة سنة إلى الوراء حتى وإن كان يجسِّد حقيقة الطوائف، إنه إثبات أن التعددية اللبنانية المناقضة لواقع الكيان الصهيوني غير قابلة للحياة. إنه نكسة لكل حلم بالدولة المدنية والعلمنة، وضربة قاضية لأي محاولة لتجنيب البلاد ترددات الإنقسام الحاصل في المنطقة.
فالمطلوب كان ثورة تغيّر هذا الواقع الطائفي السيّئ، ثورة تشبه انتفاضة الإستقلال لو أنها استكملت وتوسعت، فإذا بنا أمام الاعتراف بالإستسلام للواقع الذي يقول أن هذا الشعب هو مجموعة قبائل يديرها مشايخ لم يقدروا منذ عقود أن يدفعوا بها أو بالبلاد شبراً واحداً إلى الأمام بل يعيدونها في كل موقف أجيالاً في الإتجاه المعاكس للإنسانية والوطنية والحضارة والتقدم والتاريخ...
نعم  "الأورتودوكسي" هو إهانة، ربما يستحقها شعب متمسك بأسوء أنواع القادة وأرخصهم، شعب يلازم الصمت إذا ارتفع سعر البنزين و"زمَّت" ربطة الخبز وانتشرت فضائح الكبتاغون والأدوية المزورة وتردّت الأحوال المعيشية وغاب الأمن والأمان، لأن زعيم الطائفة لم يحرضه على التحرك كأن هذا الزعيم هو أقوى من الذل والجوع والتعب والحزن والقهر والفقر.
ربما؟ يمثل "الأورتودوكسي" هذا الشعب تمثيلاً صحيحاً ... فهنيأً له به...

ربيع الحوراني المصري