السبت، 24 نوفمبر، 2012

بين الإستقلال والإستقلالات الحقيقية

الإستقلال ليس عيداً!
ليس ذكرى، ليس احتفالاً وتقبلاً للتهاني، ليس عطلةً رسمية، ليس أعلاماً يرسمها الأطفال، الإستقلال ليس يوماً ...



الإستقلال حالة قائمة بحد ذاتها، إنما أن تكون أو لا تكون، لا يمكن أن تختذل في نهار واحد وتاريخ واحد بل بإسقاط زرع كل التاريخ على اليوم على الحاضر فإما أن يزهر هذا الزرع حرية فيكون الإستقلال حالة قائمة "مستمرة" أو أن يزهر عبودية وارتهانا فلا يكفي عندها الإحتفال بذكرى الإستقلال المزعوم لو مهما كانت الطقوس منظمة ومنسقة وجميلة ولو مهما أثار "النشيد الوطني" تلك الغصة الرقيقة الجميلة في صدور "المواطنين" ومدامعهم لكي يكون الوطن "مستقلاً"...

الإستقلال هو أن يحكم البلاد أهلها وأبناؤها ومواطنوها دون أي سلطة خارجية قائمة على شكل احتلال بقوة السلاح أو انتداب أو وصاية. نظرياً بلدنا مستقل فعلياً بيننا وبين "شرف الإستقلال" شعوبٌ عرفت طعم الحرية وأوطانٌ خبرت هذا الإستقلال الحقيقي وأنهرٌ وبحورُ.

ذهب نهار الإستقلال، توقفت الأناشيد الوطنية وابتلت الأعلام تحت المطر وعدنا إلى واقعنا الحقيقي، لا علاقة لنا لا بالإستقلال ولا بالحرية ولا حتى بفكرة الوطن أوالوطن بحد ذاته.

إستقلالات كثيرة علينا تحقيقها قبل الوقوف أمام شمس الحرية برؤوس مرفوعة للتباهي باستقلالنا ...

الإستقلال عن الخارج، عن تلك الدول التي توعد كل طائفة بالمن والسلوى، وترسل لها الأماني والسلاح والمال و و و وتعود وتتركها لقدرها حينما يتهدد أو يحتاج "إستقلالها" هي.

الإستقلال عن الطائفة والعشيرة والقبيلة وشيخها وزعيمها، ألم يحن الوقت؟ ألم نتعلم من التاريخ من الدماء من الوعود الكاذبة من التخويف والمغامرات والوضع الإقتصادي المتدهور؟ ألم يحن الوقت لنفتنع أن شيوخ القبائل جميعاً قد استنزفوا من عمر هذا الوطن ما يكفي من الوقت ليحدثوا أي تغيير إيجابي لو كان في قدرتهم أو في يدهم أو حتى في نيتهم أن يفعلوا؟

الإستقلال عن الخوف: الخوف من المستقبل والماضي أيضاً، الخوف من الجوع، الخوف من الحرب القادمة التي لا تأتي، وقبل كل ذلك الخوف من الآخر كل آخر أي آخر.

إستقلال عن الأنا، الأنا الهدامة الأنا الفردية، الأنا التي لا تبني إنسانا ومجتمعا لوطن مستقل، أنا الأفضل أنا الأول أنا الأجدر أنا الأجمل أنا الأفهم، أنا الأذكى ... الأنا التي تقف في وجه كل تقدم جماعي، الأنا التي تثبّت على صعيد الجماعة هذا الإنكار أن هذه البلاد قد أضحت في أسفل ترتيب البلدان في كل العالم، هذه الأنا التي تجعل كل مواطن أفضل من الآخرين دون أن يكون وكل طائفة أعظم من الآخريات دون أن تكون ...

لا بد من إنجاز كل هذه الإستقلالات لكي يكون لنا وطناً بادئ ذي بدء، فكل الأحداث والمواقف وكل الصراخ والنحيب والإنتصارات والتحالفات والخصومات والإشكالات والتحركات ليست إلا تجليّات لكل العبوديات السابقة الذكر بحلل وتواريخ مختلفة، وستبقى هذه التجليات تعيد نفسها وسنتابع الغرق والتراجع والإنكسار إلى أن نستفيق يوماً من فرديتنا وحقدنا وتذاكينا وتبعياتنا وجهلنا  ونعلن استقلالنا عن عبودياتنا الجليّة والدفينة فيكون لنا حينها وطناُ يكون له استقلالاً، دون ذلك كل إستقلال وكل وطن وأنتم وأنتن بألف خير...