الأربعاء، 27 يونيو، 2012

صرّف "أنا أنفذ شهر أمني" مع حكومة التصريف


أجرت حكومة النأي بالنفس في جمهورية فوضىستان العريقة - وبمناسبة انتقالها إلى مرحلة تصريف الأعمال (دون تصريفها) - مسابقة في اللغة لطلاب المرحلة الإبتدائية، وقد سجلت عدة ملاحظات في أثناء التصليح اتطلعت المدونة على بعضها.
في المسابقة الأساسية "التصريف" طلب من التلامذة تصريف العبارة التالية "أنا أنفذ شهر أمني" فجاءت الإجابات مفاجئة:
أنا أنفذ شهر أمني
أنا نفذت شهر أمني
هو نفذ شهر أمنه
هما ينفذان شهر أمنهما
هم ينفذون شهر أمنهم
أنتم نفذتم شهر أمنكم
نحن ننفذ شهر أمننا
والغريب أن التلامذة قد قاموا بإضافة الضمير المتصل وإلحاقه بالفاعل بطريقة صحيحة في صيغة الماضي وأيضا في المضارع وحتى في المستقبل.

وفي السؤال التالي الذي طلب فيه اختيار كلمة من الجملة السابقة ووضعها في جملة صحيحة جاءت بعض الإجابات مدهشة وربما متناقضة مع معنى الجملة الأولى:
هو شهر سلاحه بوجه والدي (شهر)
كيف يكون الأمن مع شهر السلاح (أمن - شهر)
منذ شهر لم نر الكهرباء (شهر)
نفذ الموظفون اعتصاماً وحرقوا دولاباً بغياب قوى الأمن (نفذ - أمن)
...
أما المفاجأة الكبرى فكانت في السؤال الثالث "إختر موضوع عن الوطن وتحدث عنه في عشرة سطور"، فقد ظهر التلامذة مشوّشون ومضطربون إلى حد كبير وظهر تأثرهم بالوضع العام في البلاد.
معظمهم تحدث عن الخوف والحرب، والأمان والسلاح. عن الصراعات السياسية عن مشاكل الأهل المادية والخلافات الأسرية عن حرمان البعض من اللعب والترفيه وحتى من الكثير من الأساسيات والغناء الفاحش عند البعض الآخر.
وحتى في هذه الشريحة العمرية قام الكثير منهم بوصف الزعيم بطريقة فيها الكثير من المحبة والإعجاب وربما القداسة والتأليه.
بعضهم الآخر قام بشتم الزعماء "الآخرين" والطوائف الأخرى، بعضهم توعد وآخر هدد وآخر قال أنه لا يتخلى عن ألعاب الحرب الذي اشتراها والده حتى لو احتج الحي وغضبت المعلمة وبكت الوالدة.
بعضهم تحدث عن سوريا والآخر عن السعودية وطالبٌ عن إيران وآخر عن روسيا وإسرائيل والولايات المتحدة وفلسطين وقطر...

أما الموضوع الذي استوقف المصححين فكان لطالبة معجبة بفكرة الشهر الأمني وتطالب أن يكون في مدرستها شهرا واحدا للإنضباط في السنة، شهر واحد يأتي فيه المدير إلى المدرسة، ويَحق للناظر الحقيقي فيه أن يدخل كل يوم إلى صف فيعاقب ويصرخ ويضرب حتى، وفي ما تبقى من العام الدراسي يفعل الطلاب ما يشاؤون ويتدبروا أمر انضباطهم فينتخبون ناظراً منهم مطلق السلطة ويلعبون ويصرخون ويهوشلون ويدرسون كما يريدون وحين يريدون "كما يفعل الكبار في بلدي" بهذه العبارة اختتمت الطالبة موضوعها ...
هذا بالإضافة إلى الكثير من المواضيع التي عكس فيها الطلاب واقع الجمهورية وواقع الأمن فيها والفكرة التي يكونها مَن في أعمارهم عن علاقة المواطن بالأمن والأمن بالتراضي وسخافة الدولة في التعاطي مع هذا الموضوع الذي يتصدر سلم الأهمية في أي وطن قبل لقمة العيش وغيرها من المواضيع الحياتية الهامة.

اليوم يتنقل "شهر أمنه" من منطقة إلى أخرى وبعد انقضاء الشهر يعود لكل منطقة حقها في ضبط أمنها الذاتي على حساب أمن الوطن فلا يبقى مكشوفاً سوى ذلك "المواطن" الذي ما زال يؤمن بسلطة الدولة والذي يحاول أن يسلح أبناءه بسلاح العلم والأخلاق والحلم كما تسلح هو ...


جميل هو الأمن في هذه الجمهورية حتى الأطفال يستسيغونه، أمن "موسمي" يأتي مثل المناسبات والأعياد (شهر طفّايات، شهر حزام الأمان، شهر رخص السلاح، شهر رادار... ) ويبقى دائماً على ناس وناس ...

فضح الصغار الأمن في مسابقة اللغة فكيف ستكون النتائج في مسابقات التاريخ أو ... التربية المدنية؟

عاش طلاب الجمهورية
عاشت الجمهورية
عاش الأمن، أمن المناطق والقبائل والعشائر والزعران والتجار والمرتهنين والإطارات والمطارات والملثمين والمقدسين والمندسين والمسيِِّيرين والمسيَّيرين
عاش شهر الأمن بدعة لا ينتجها سوى العقل الفوضىستاني الأصيل