الخميس، 12 أبريل، 2012

صليب لبنان ... والقيامة المستحيلة



لكل إنسان صليبه، البعض يحوّلون ذلك الصليب إلى طاقة وقدرة فتكون قيامتهم نتيجة لتغلبهم على عذاباتهم بإرادة الحياة والإيمان بها وبأنفسهم والثورة المتولدة من رحم المعاناة، والبعض الآخر لا يحوِّل الألم إلى أملٍ وعمل فتنتهي به الحياة وهو يصارعها فوق ذلك الصليب فتصرعه ولا يعرف القيامة.
وهذا حال الأوطان أيضاً. فكل وطن ترفعه ظروفٌ ما فوق الصليب. فيتحد أبناء الأوطان الذين يعشقون ترابها والذين يعرفون معنى الوطنية وإرادة الحياة ومحبتها، مع قياداتهم المسؤولة التي تخاف المحاسبة وتفهم معاني القيادة وواجباتها، ليجسدوا قيام الوطن بقيام الدولة القوية، وغيرهم من الشعوب من يناصل طويلاً لينهي عذاباته عبر إنتصاره على قادة فاسدين قتكون قيامتهم متأخرة إلا أنها تأتي لا محال، وآخرون – هؤلاء الذين تلعنهم الأوطان – يرفعون وطنهم فوق صليبه ويستلذون بعذاباته وآلامه وإحتضاره ... وإحتضارهم.
وطني وشعبي هم من هذه الطائفة الأخيرة لا بل المثال الأفضل عنها.

الصليب
أبناء وطني يرفعون وطنهم فوق الصليب منذ سنين طويلة، يصلبونه كل يوم، يتقنون تعذيبه، ويلقي كل منهم اللوم على الآخر والغير والخارج والظروف والغرب والعرب والموقع والقدر والله أحياناُ.
في طليعة هؤلاء الجلادين، زعماء أو قادة أو مسؤولون أو شيوخ قبائل أو أسياد طوائف، تتفاوت أهدافهم وأهواؤهم وأساليبهم وتطلعاتهم بين السيئ والأسوء وكلهم دون استثناء يريدون الفرقة بين قبيلتهم والقبائل الأخرى ليسيطروا على أتباعهم بالخوف أو بالتخويف والحقد والحاجة للحماية،  كلهم يثبِّتون كل يوم الوطن على صليبه بالفساد والفوضى وتعزيز التبعية والإرتهان إلى الخارج، لأنهم يدركون جيداً أن قيامة الوطن إذا تحققت تكون بها نهايتهم.
يتفرع عن هؤلاء ويضاف إليهم ويدعمهم ويعززهم ويجاريهم، جلّادون درجة ثانية، خبراء في التزلف والوصولية والصفقات و"التزبيطات" وسرقة مال البلاد والعباد، نموذج ممتاز عن "شعب تاجر" يبيع كل ما تصل إليه الأيدي جتى ولو كان وطناُ "مصلوباً" ويقدم الخدمات والأرواح والأعراض لأي شارٍ لكل شارٍ حتى ولو كان عدوه.
هؤلاء جميعا يصلبون الوطن منذ عقود، ويورثون أسواطهم وأخشابهم ومساميرهم وأساليبهم وعقدهم ودهاءهم وحقدهم وخططهم إلى أبنائهم وأقربائهم لإستكمال مسيرة العذاب والألم.

يهوذا الإسخريوطي ... خيانة بلا أجر
لكن زعماء هذه الوطن ما كانوا ليصلبوه لولا أبنائه الذين خانوه وباعوه وسلموه إلى أولئك الجلّادين.
خانوه وسلموه عندما قدموا الزعيم والطائفة والحزب أو الحركة أو التيار على الوطن.
خانوه وسلموه عندما قرروا أن يموتوا فداءً لزعمائهم وأن يَقتلوا لأجلهم.
خانوه وسلموه عندما امتهنوا الصراخ والشتم والتهليل والتقديس والعشق حيناً أو الحقد أحيانا  وفقاً لأوامر الزعيم ومصلحته ومزاجه.
باعوه ولم يصل إلى جيوبهم قطعة واحدة من الفضة، لا بل أنهم يدفعون كل صباح ثمن ولائهم ويتشبثون به.
إلى أتباع الزعماء تضاف مجموعة تبيع الوطن وتخونه كل يوم، مجوعةٌ من التافهين الذين سلختهم المبالاة عن كل ما يجري في هذه البلاد، كأن يومياتها وعذاباتها وأحداثها لا تعنيهم، كأنهم يراقبون ما يجري في بلادهم من على كوكبٍ آخز
هؤلاء يقسمون إلى فئتين: فئة من الماديين اللاهثين خلف براقع الحياة، حربهم من نوع آخر، حربهم هي التفوق في المظاهر التافهة على الآخر وقد تخطّت (أنا)هم مساحة أي وطن، والفئة الثانية سخفاء متعلقون باليوميات وكأن المستقبل يختصر باللهو واللامبالاة والتطنيش، وأسوء من في هذه الفئة الأخيرة، أولئك الذين يستفيقون نهار الإنتخابات لدعم مرشّح الطائفة، أو لأن الإنتخابات يوم ترفيهي جديد من أيامهم.

دموع بطرس
أما المجموعة الأكثر خطورة والتي تَلقى عليها المسؤولية الكبرى وربما أنها تشكل الصالب الأكبر لهذه البلاد – حتى وإن لم يكن ذلك عن سابق إصرار وترصد – هي تلك التي تتمزق لحال الوطن ولكنها تختار الوقوف على حياد، وهي في النهاية التي ستبكي دموع "بطرس" عندما يقضي الوطن فوق صليبه لأنها تنكره كل يوم ألف مرة قبل صياح الديك ... وبعده.
تلك المجموعة، المنتشرة في كل المناطق والإنتماءات والمذاهب، مجموعة "الأوادم" أو العلمانيين أو المثقفين الحقيقيين أو المتحررين من التبعية والحقد الذين لا يريدون من هذه البلاد سوى الحياة الأفضل الذين يقدسون الوطن والسلام ويلعنون الفرقة والحرب الذين يتحملون مسؤولياتهم كمواطنين ولا يطالبون بواجباتهم من الوطن، الذين احترفوا الصمت وسمحوا لجلادي هذه البلاد وتجارها وسارقيها وشبيحتها وسخفائها و"زعرانها" أن يقرروا مصيرها ومصيرهم أيضاً.
أولئك سيبكون الوطن "دماً" عوضاً عن الدموع وسيكون صمتهم في النهاية هو الذي رفع البلاد فوق صليبها ورفعهم معها.

القيامة المستحيلة
هذا هو وطني يصلب كل يوم، يصلبه أهله وأهله فقط، من الجلاد إلى من لا يقلع عن صمته أو خوفه أو لا مبالاته ليقول: "كفى، أنزلوا هذا الوطن عن الصليب!"
هذه هي درب الجلجلة التي يسلكها "أوادم" هذه البلاد ووأولئك الذين يريدون حقاً العيش بكرامة وسلام شأنهم شأن أبناء الأرض الذين عرفوا القيامة.
هذا هو الوطن الذي يزداد فيه كل يوم الحقد والفساد وتسقط القيم وتتجذّر السخافة واللامبالاة ويتوطّد الصمت مما يجعل القيامة مستحيلة، ينظر إلى التاريخ والمستقبل والإنسانية والأرض والله ويقول: "لا تخفروا لهم أبداً لأنهم إما يدركون ما يفعلون ... أو لا يفعلون شيئاً".

ربيع الحوراني المصري – جمهورية فوضىستان