الأربعاء، 22 فبراير، 2012

بين ما قالته "مي سكاف" وما يقوله الكثيرون

مما لا يقبل الشك أن كلام الفنانة "الثائرة" مي سكاف أهان اللبنانيين عامة من كافة الطوائف والمناطق والإنتماءات والجنوبيين خاصة الذين عانوا ما عانوه ليس فقط في حرب ال2006 بل لعقود وعقود من الزمن.
ومما لا شك فيه أن هذا الكلام لم يكن فقط دون المستوى المنتظر من فنانة تدّعي الثورة وتخاطب آلاف "الأصدقاء" على صفحتها الخاصة على الفايسيوك، لا بل تعدى ذلك إلى التفاهة والسخافة حتى.
ولكن لا بد من الإضاءة على ما أرادت مي سكاف قوله، أو ما دفعها إلى ذلك الكلام، بعيداً عن معاناة أهل الجنوب وبعيدا عن فكرة "تربيح الجميلة" وبعيداً عن الأسلوب الذي لا يليق بمقاربة الموضوعين اللبناني حينها والسوري اليوم.

الكلام المخفي أو ربما بشكل أوضح الشعور المخفي يتجسد في ذلك السخط والإستياء من موقف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله من الثورة السورية ومن إصراره على عداء شريحة كبيرة وكبيرة جداً من السوريين (قد تتعدى نصف الشعب السوري) وعلى الوقوف إلى جانب الطاغية الجلاد ودعمه لآلة الإرهاب والإجرام والشد على اليد التي تعذب وتقتل الأطفال والأبرياء وإنكاره لما يقارب التسعة آلاف شهيد سقطوا في أقل من سنة، بغض النظر إذا كان قد أرسل عناصر منه لمساعدة شبيحة النظام أو لم يفعل.
وهذه المشاعر ليست حكراً على مي سكاف وحدها وللذهاب أبعد من ذلك لا يهمني ولا يهم الكثيرون إن كانت هذه مشاعرها أم لا، لكنها ودون أي شك مشاعر ملايين السوريين الغارقين في بحر من الدماء، ومن بعدهم ملايين العرب الذين رؤوا في "السيد" قائداً بطلاً ورمزاً من رموز المقاومة "الشعبية" الحقيقية القوية القادرة وحاملاً لصرخة وآلام وعذاب شعب عانى من الطغيان والعذاب والفقر والإجرام لعقود، وهو اليوم يختار أن يمشي بكل بساطة عكس آمال هؤلاء السوريين والعرب وتطلعاتهم وآلامهم وتوقهم إلى الحرية.

شاءت الصدف أن أكون بعيداً عن لبنان في حرب تموز، وتحديداً في بلجيكا، وكانت الحرب موضوع الساعة، وكان صديق لي "تونسي" يتكلم عن حسن نصرالله وفي عينيه بريق يتخطى الإعجاب بريق من يرى أمام ناظريه قائدا كبيرا يدحر الصهاينة ويسقط ورقة التين عن القادة العرب وضعفهم وتخاذلهم، كان صديقي يتكلم وكأنه واحد من مارون الرأس أو الضاحية الجنوبية، ولم يكن إلا ناطقاً بلسان حال "شعوب" العرب كل العرب، فما موقفه اليوم يا ترى بعد أن حرّر هو ورفاقه تونس من أحد أولئك المتخاذلين حين يرى القائد المقاوم وهو يستميت في الدفاع عن أحد رموز الممانعة الخادعة الكاذبة الذي باع "جولانه" منذ عشرات السنين وأدار سلاحه إلى صدور السوريين (والفلسطنيين واللبنانيين أيضاً لمن تخونهم الذاكرة).

ولكي لا نذهب بعيداً ألم يكن هذا شعور كل أهل بيروت وكل أهل الجبل والبقاع أيضاً الذين فتحوا قلوبهم وبيوتهم – حين لزم الأمر وهذا أقل واجباتهم – والذين أحاطوا المقاومة بالدعم الإنساني والمعنوي وأمنوا لها الرأي العام المحلي الذي لاقى الرأي العام العربي، الم يكن هذا شعورهم في السابع من أيار "المجيد" وبعدها أمام الكثير من مواقف التخوين والفوقية، مجدداً بعيداً عن أموال مي سكاف وأسلوبها وحنكتها السياسية وبعيداً عن السطحية المادية في مقاربة الأمور.

القضية أبعد من الأحذية والمال والملابس، أنما هي قضية مواقف وفعل وردات فعل، قضية محاور وشعوب، قضية الذهاب بعيداً في خيارات غير متصالحة مع الواقع والتاريخ والجغرافيا والإسقاط الطبيعي لكل هذه العوامل على المستقبل.
مخطئ من يظن أن المقاومة تستطيع أن تنتصر يوماً دون  رأي عام مساند وضامن وداعم ومؤيد دون رأي عام يؤمِّن للقضية بعدها المعنوي والاستراتيجي والشعبي، فلماذا يُفرط به ومن أجل من وماذا؟
مخطئ من يظن أن الإيرانيين هم أكثر عداء للصهاينة من "الشعوب" العربية والشعب السوري على رأسها،  فلماذا يفرط بهم قادة المقاومة ومن أجل من وماذا؟
مخطئ من يظن، والتاريخ شاهد، أن تحرير فلسطين لا يتم إلا عبر آل الأسد والأنظمة البالية وأن حرية الشعوب والقضايا المحقة تخرج من رحم الطغاة وأعداء الإنسانية والمصابين برهاب الحرية.

أما في البعد الإنساني، مخطئ من يظن، أن أمام عصف الموت وصراخ الأطفال ورائحة الدماء وبكاء الثكالى وجثث الشهداء لا ينظر الإنسان من حوله ليرى من اليد التي امتدت إليه ومن التي امتدت عليه، فيفرغ شحناته العاطفية المتناقضة على الإثنين معاً ولكن بشكل أقوة بكثير على الأخيرة، فهذه طبيعة النفس البشرية.

أما أنت، مي سكاف، إن كنت لا تستطعين التحلي بالحس الثوري الحقيقي وتريدين الإستمرار في مقاربة المواضيع العامة والهامة كما تفعلين "على فنجان قهوة" وإن كنت لا تستطعين تحمل مسؤولية مخاطبة الآلاف فالأحرى بك أن تصمتي.
ربيع الحوراني المصري