الثلاثاء، 14 فبراير، 2012

رفيق الحريري ... أول شهداء الربيع

مخطئ من يظن أن أولى أزهار الربيع العربي تفتحت يوم استشهد رفيق الحريري ... إلا أننا في بلادنا نكرم الأموات فقط.
قبل انطلاق الثورات العربية المجيدة وقبل بطولة أبو عزيزي وانتصار الياسمين وصرخات ميادين التحرير وسقوط الطغاة في مصر وليبيا وتونس وقبل ثورة العز في سوريا، وقبل استشهاد رفيق الحريري، كانت هناك ثورة على الطغاة جنت في ما بعد ما جنت وأخفقت حيث أخفقت، لكنها بدون أي شك كانت الرائدة والممهدة وكانت فراشات الربيع "ربيع بيروت" مبشرة باقتراب أولى السنونو في سماوات العرب.
لم يعرف حينها رفيق الحريري ومن معه أن دماءه ستحرر لبنان من نير الطغاة، كان يعلم ورفاقه أن معركة كالتي أرادوا وثورة سلمية كالتي اشتهوا قد تتوجها الشهادة ولكن الربيع كان ينده عالياً.
كان العمل قد بدء للثورة ...
الثورة على الطاغية الذي يمارس اليوم علناً أبشع أنواع الإجرام بحق شعبه، والذي مارس على مدى عقود إجراماً مقنعاً بحقنا وحق وطننا ومستقبلنا وفكرة الدولة والكيان والجيش وامتص خيراتنا وقتل أحرارنا وروع شبابنا وشيبنا وحولنا إلى إحدى محافظات وطنه المحكوم بالمخابرات والأزلام وخفافيش الليل والأقبية المظلمة.
الثورة على نظام أمني تقوده القلوب الغاصة بالحقد العابدة للإستزلام والتبعية الغير قادرة على الإستغناء عن الجزمة الحاكمة لأنها بظل نعالها تسرق وتفبرك وتتحكم وتذل الناس وبدونها لا قيمة لها ولا فعالية ولا قدرة.
الثورة على الرافضين مبدأ الدولة، ومبدأ المستقبل الأفضل، ومبدأ الحياة ... الحياة بالمطلق.
نعم كانت الثورة قد بدأت تتنظم، لكن الساحات كانت لا تزال فارغة، لا هتافات لا لافتات لا مواجهات ...
فرفيق الحريري كان يومها مع وليد جنبلاط ولائحة الشرف التي رفضت التمديد لإميل لحود يحضرون للإنقلاب السلمي في انتخابات 2005، ويهاجمون النظام الأمني وكانت أزهار الثورة تتفتح ببطئ كبير ولكنها تتفتح وكانت أقلام الأحرار من جبران تويني إلى سمير قصير تغزل أولى مقالات الربيع.
كان الشارع الممثل بالحريري وجنبلاط ينضم إلى "شباب" التيار الوطني الحر (قبل وثيقة التفاهم) والقوات اللبنانية في طلب إنهاء الإحتلال السوري وكانت فكرة "لبنان أولا" تترسخ في نفوس هذه القواعد قبل أن تصبح واقعا في ما بعد، وهذا الإسقاط على مستوى الوطن والتمدد على مستوى الأيديولوجيات والديموغرافية جسدا نقطة التحول الهامة وأعطيا التحركات التي كانت قائمة بعداً وطنيا ثوريا أينعت ثماره في ما بعد.
وأتى استشهاد رفيق الحريري لنقل الثورة من المطبخ السياسي والديبلوماسي والإنتخابي إلى الساحات، فتسارعت الأحداث لتتوج بخروج الجيش السوري ولتكون الصفعة الأولى لنظام الإجرام وأزلامه.
نعم أتى هذا الإستشهاد ليتوج الثورة لا ليطلقها، أتى ثمرة لمشروع ثائر ولحلم كبير بالحرية والتغيير والتقدم.
واليوم وبعد سبع سنوات تتجسد إرادة التغيير ثورات بعدها أزهر وبعضها الآخر ستتفتح براعمه قريباً
رفيق الحريري، أبعد من كلام الحزن والرثاء ومن تعداد المزايا والمآثر والمنجزات، تحية حرية في زمن الثورات ... التي كنت أول شهدائها ...
رفيق الحريري، المحكمة الدولية قائمة وكلنا بانتظار حكمها، لكن قاتلك (أو أكبر قاتليك) اليوم فوق قوس المحكمة الحقيقية، محكمة الشعب، محكمة الأحرار والأبطال والثوار، والحكم قد صدر باقتلاع هذه الحفنة من القتلى والمجرمين من جذورها، والتنفيذ باهظ الثمن لكن العدالة آتية.
رفيق الحريري، الحرية أطلت بشائرها ... وكلنا أمل ليكتمل ربيع بيروت ويستطيع ملاقاة التغيرات العربية بعدما كان رائدها، أن يلتقيَ ثوار الأمس – بعيدا عن قاعدة المهزوم والمنتصر – لينطلقوا مجدداً بمشروع "الدولة"، الدولة الحرة المستقلة الجامعة المواكبة لهذا العصر وهذا الزمن الدولة "الغير مجتزأة" الدولة "القادرة" التي حلمت بها – كما يفعل العرب اليوم – وقضيت أنت ورفاقك الأحرار ... لأجلها.