الأحد، 29 يناير 2012

مهزلة التاريخ ... وكتابه

ربيع الحوراني المصري – مدونة فوضىستان

كأنكم متفقون على الحاضر، أو أنكم تملكون مجرد رؤية مشتركة للمستقبل، كي تختلفوا على التاريخ وأحداثه و... كتابه.
يتم التنازع في اللجنة المكلفة صياغة كتاب تاريخ على مكاسب التاريخ وعلى سبيل المثال لا الحصر، حزب الله يريد أن يتوقف التاريخ في العام 2005، أي قبل استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وبدقة أكثر قبل الخروج المذل لجيش الأسد، وقبل انطلاق ثورة الأرز التي يصر جماعة الرابع عشر من آذار على ذكرها، كما يصر على ذكر بعض أسماء أعضائه ومنجزاته ومآثره. جماعة التيار العوني يرفضون أن تذكر منجزات العهد الشهابي باختصار لأن الجنرال يزعجه ذلك كأن عهدهم هذا أفضل من الشهابية، الحزب القومي السوري يصر على ذكر عملية الوينبي للشهيد خالد علوان وهو مطلب محق لكنه متعارض مع رغبة البعض بمحو المقاومة الوطنية من التاريخ والذكرة، إلى ما هنالك من المواضيع الخلافية والمشخصنة من كافة الأطراف وهدفها خدمة المصالح وتزوير الحقائق كأنه لم يكفيهم تشويه هذا التاريخ عندما صنعوا أحداثه أو كأن تلك الأحداث التي سطروا على مر عقود من الزمن يشرفهم أن تدرسها الأجيال القادمة.
على ماذا تختلفون أنتم ومن تمثلون ومن هم غير ممثلين في هذه اللجنة؟
تختلفون كيف ستخبرون هذه الأجيال عن خلافاتكم، عن جشعكم، عن ارتهانكم لكل غريب وقريب، عن غياب المسؤولية، عن حروبكم العبثية، عن تعزيزكم الحقد والطائفية والتبعية، عن السرقة والصفقات والكذب.
تختلفون على أحداث الإستقلال المجيد، وتبحثون عن "كفٍّ" واحدٍ أنهى الإنتداب فلا تجدون سوى مسرحية أبطالها ممثلو الطوائف، مسرحية لم تسدل الستارة على أحداثها المذلة بعد، وإن تغير اللاعبون على خشبة الإنقسام.
ولكي لا نحملكم فظائع تاريخنا جميعها، نؤكد لكم – وللأسف – أن تاريخنا لا يستأهل التقاتل عليه، فمنذ اخترعنا الحرف وصدرناه إلى العالم بحيث لم نبقِ منه لنا كلمة واحدة لنحاور بعضنا البعض، وتاريخنا يزخر بجحافل الشعوب التي استعمرت هذا التراب أو احتلته أو أتت وصية عليه وعلى أجدادنا وقد قابلناها – والمجد لنا – إما بالإنقسام بين مرحب ومقاوم أو بالروح التاجرة التي نملك وفي النهاية نأتي بجزمة أخرى لتريحنا من المحتل وهكذا دواليك.
اختلفوا على التاريخ، وأصدروا ملايين النسخات لملايين الكتب واملؤوها بالأحداث والأكاذيب واللاموضوعية. ولكن كونوا على ثقة سيجد التاريخ هامشاً في كل صفحة ليسطّر عليه لعناته الموجهة لكم، وأيضاً لنا لأننا ارتضينا أن يخط تجار مثلكم وعملاء مثلكم تاريخنا وما زلنا نرتضيهم قيّمين علينا وعلى مستقبل أطفالنا وحياتهم.
كان أحرى بكم أن تتعلموا من هذا التاريخ ولو درساً واحداً، من أجلكم وأجلنا، درساً عن نتائج الفرقة والإنقسام وتنفيذ الأجندات الخارجية.
كان أحرى بكم أن تتفقوا على مشروع معيشي واحد – واحد فقط – في هذه الضائقة الكبيرة، علّ التاريخ يذكركم بالخير في إحدى صفحاته.
الحق يقال، لستم أهلا لصناعة التاريخ ولكتابة أحداثه فمن لم يستطع أن يحقق الموضوعية في تعيين موظف في الدولة، أو توزيع مساعدات، أو تلزيم حائط دعم، أو غيرها من القضايا هامشية كانت أم أساسية، كيف يمكنه أن يكون موضوعياً في كتابة التاريخ؟
الحق يقال، لستم أهلا لصناعة التاريخ ولكتابة أحداثه، والحل الأوحد لهذه المعضلة ولغالبية مشكلاتنا هو في كتاب آخر "كتاب التربية المدنية"، هو في تأجيل البحث في كتاب التاريخ وتحضير كتاب ومدرّسين ومربّين ومناهج، تعلّم قبل التاريخ التربية المدنية وأصول المواطنة وحقوق الإنسان وواجبات المواطن وحقوقه والعلمانية والتجرد والمشاركة والحرية المقترنة بالوعي ونبذ الأنانية والتفرد والتعصب والطائفية والفوقية والحقد والسطحية، لأجيال وأجيال حتى يأتي جيل لا يشبهنا البتة، يسقط أولادكم وأتباعكم من حاضره ومستقبله ويكون قادراً أن يكتب التاريخ ويسطر فوق صفحاته أحداث جديدة مشرقة تذخر بالحرية والحضارة والكرامة والإنسانية والإنعتاق من تلك النفس التاجرة والمرتهنة التي سطرت تاريخنا حتى الآن ...