الأربعاء، 25 يناير 2012

إلى الشارع درّ والشعار " يللي ستحو ماتو"


عندما يصل الوضع الإقتصادي والمعيشي (إذا وصل) في أحد البلدان حيث الإنسان يدرك قيمته الحقيقية إلى ما وصل إليه في جمهوريتنا البالية أو قبل ذلك بكثير (فنحن ما زلنا نطالب بما تعتبره شعوب الأرض مسلمات أخرجها الزمن من النقاش منذ زمن)، تنزل الشعوب إلى الشارع وتطالب بحقوقها وتحدث الثورات وتسقط الحكومات وتدرس السياسات الإقتصادية وتغيرها.
أما في تجمع العشائر الذي نطلق عليه إسم وطننا أو جمهوريتنا، لا يتحرك الشعب حتى للمطالبة بتلك المسلمات إلا بأمر من القائد أو زعيم العشيرة أو سيد الطائفة، كأن الجوع والظلم والفقر لا صوت لهم، فهذا الشعب يحترف الصمت ويمتهن النسيان ويكتفي بالنق والعويل والتنظير ويحيا طاووسا فوق مزبلة متلهيا بقشور الحضارة غافلاً عن أي حس بالمواطنية أو حتى بالإنسانية أو بالوجود خارج دائرة الحياة التافهة من جهة والحقد الأعمى على الآخر من جهة أخرى.
أما القيمين على هذا الشعب، فبعضهم مِن مَن هم في الحكم، عيناه وقلبه وخلاياه العصبية خارج الحدود ينتظر نتائج الصراع ليقرر مصيره ومصيرنا، والبعض الآخر من الفريق الحليف يحارب طواحين الهواء ويكمل حرب الوهم وينتج الصفقات، أما من هم في المعارضة (إذا سمحت لنا الإنسانية وأجاز لنا نضال الشعوب أن نستعمل الكلمة لوصف هذا الفريق) يحيون على كوكب آخر تصاريح وتسجيل نقاط وبعض التحرك الذي لا يتعدى الفلكلور والتصريحات.
ولكن، في خضم كل هذه البلادة وهذا الصمت، أطل القائد، أطل البطل، ليقول للبنانيين خذوا فواتير الكهرباء وانزلوا إلى الشارع، وتظاهروا ... ضدهم.
من هم؟
إلى أي شارع؟
من أصحاب الدعوة ومن هم المدعوون؟
ماذا سيهتف المتظاهرون؟
إلى إين ستتوجه هذه المظاهرة؟
ماذا سيكتب على اللافتات؟
مظاهرة لهدف سياسي أم اقتصادي؟
ضد من؟ ...
إلى الشارع نعم، تأخرت الدعوة والساحات في وطن التماثيل تنتظر صيحات الغضب أكثر من البطون الجائعة، ولكن؟
أوليس هو؟
أوليسوا هم من سيرسلون القوى الأمنية لقمع التظاهر؟ أم أنهم سينسقون بين هذه القوى وبينهم ... هم؟
أوليسوا هم القيمين اليوم على الحياة الإقتصادية وعلى لقمة العيش؟
أوليسوا هم من إذا ما وصلت التحركات الشعبية إلى خواتيمها يجب أن يستقيلوا ويرحلوا، أو أنهم سيستقيلون للمشاركة في التظاهر ... ضدهم ... هم؟
أشعر بالفصام!
أليس وزيره المقدام من دعا إلى التظاهر لأن التقنين سيزداد، سيزيده هو. فكيف؟!
أليس وزراء الرجل من تفوقوا على أنفسهم منذ أيام قليلة بإنتاج صفقة اتسمت بالوقاحة والجشع فصادروا دفء الشعب في جيوبهم؟ أم أن التظاهر هو للسماح لهم باتمام صفقاتهم بسلام وطمأنينة... هذا عندها يبدو أوضح بقليل؟!
أليس هو وهم من حلل رفع الأسعار ثلاث مرات في شهور قليلة، بهدف الكيدية السياسية، ليطل علينا قريباً كما جرت العادة بانتصار وهمي جديد ويمنّنا بزودة صرفت قبل أن تولد، ضد من المظاهرة إذا؟ ضد مجلس شورى الدولة يا ترى؟
أم أنا الرجل عاد بفعل الحالة النفسية بالزمان ويريد التظاهر ضد الحريريّة السياسية؟ هذا يمكن أن يفهم، ولكن الحريري الأب قد استشهد، ليعود هو أو هم على دمائه ويحلمون مجدداً بأن يكونوا حيث هم، والحريري الإبن يتزلج، فلما التظاهر إذا؟
وجدتها، إن الرجل قد عاد بالزمن ليتظاهر ضد النظام الأمني والإحتلال السوري وآل الأسد ويهز المسمار مجدداً ... أخيراً ... ولكن حتى هذا الوضع لم يعد قائما فالرجل يستميت في الدفاع عن بشار وأعوانه، هل يتظاهر لأجلهم!! في الجامعة اليسوعية أو كلية العلوم في الفنار مثلا!ً؟
ظننتني وجدتها!
ماذا يريد هذا الرجل إذا؟
لا بد أن يتظاهر لأنه يريد الإصلاح والتغيير ولكنه اليوم حيث يجب أن يصلح ويغير فما مشكلته إذا؟
مشكلته، هي الوهم والإفلاس، والكذب المغلف بالشعارات وبوجع الناس وآلامها وآمالها، مشكلته وباختصار هي الوقاحة
لم يبق لهذا الرجل المراوغ والفارغ حتى من نفسه قضية يتظاهر لأجلها لم يبق لديه سوى الصراخ والصفقات وبث الأحقاد
إن شعباً مثلنا هان عليه وجوده وحاضره ومستقبله وحياته وإنسانيته، لا يستحق أفضل من هذه القيادات التي أنتجها الزمن الرديء، لأن الحق يقال "يللي استحو ماتو" ومن صمتوا ماتوا أيضاً حتى وإن كانت دماؤهم تجري في عروقهم.

ربيع الحوراني المصري