الاثنين، 31 أكتوبر، 2011

لولي يا ولية يا بنية تعودي


من هي تلك "البنية" الرقيقة التي غنى لها مطربنا الكبير أغنيته العاطفية الجديدة؟
وماذا فعل المطرب (أو الشاعر) لحبيبته لكي تهجره فيقدم لها كل تلك التضحيات والبطولات؟
هل عادت؟ هل ستعود بعد كل الدماء التي أريقت والكائنات التي قتلت فوق مذبح الحب الحقيقي الأصيل؟  
ألم يخف شاعرنا من قبيلة عنتر؟ ألم  يخشى ردة الفعل أم أنه مدعوم من إحدى الجهات السياسية، يقتل عنتر ويتوارى في إحدى مجاهل بلادنا ومن يدري قد يصبح قديساً يوما ما و"بتروح بزلط" عنتر المسكين؟
ألم يخشى إذا كان عنتر مدعوما أيضا – حتى ولو كان عربياً – أن يجرنا إلى أزمات جديدة فنحتاج إلى دول العالم أجمع وإحدى العواصم العربية لتطييب خواطرنا ومصالحتنا كما يحدث دائماً؟
ألم يخف بذبحه لعنتر أن تصنفه الدول الغربية في خانة الإرهاب، فلا يجرأ بعدها حتى على البوح لحبيبته بمكنونات قلبه وإذا فعل فلن يصدقه أحد؟
هل فكر مرتين قبل أن يتوعد القائد الفارسي كسرى ويهدده بالقتل؟ ألم يخشى أن يتهم بالعمالة لأميركا وإسرائيل، وأن يحرم من حقوقه وربما من إنسانيته أو وجوده؟ ألم يكن حري به عوضا عن التفتيش عن كسرى وحراسه في زوايا التاريخ أن "يفش خلقة" بأحد المسؤولين المحليين وحراسه وموكبه فيريح ويستريح؟
هل حقا أنه يريد السير حافيا بين الأفاعي؟ حل هذا مجازا أراد فيه التورية عن بعض البشر في أيامنا هذه، عندها كلنا نكون أبطالاً ونستحق حبيباتنا؟ أما إذا كانت الأفاعي حقيقية فلا شك أنه ضرب من البطولة، البطولة الممتزجة بخفة العقل.
أما أن يأتي حبيبته حاملا رأس عنتر المغدور، فكيف سيفعل ذلك؟ وماذا ستكون ردة فعلها وأين ستحتفظ بالرأس يا ترى؟ في غرفة نومها؟  فوق وسادتها؟ فوق مكتبها؟ هل هذا نوع جديد وعصري من الهدايا أو الجادجت؟ هل حقاً أن ذلك يندرج تحت خانة الغزل؟ هل أُرسل اليوم لزوجتي رسالة قصيرة أقول فيها: "حبيبتي! سآتيك اليوم برأس عنتر" فتضم هاتفها النقال إلى صدرها وفي عينيها دموع الحب والفخر والإعتزاز؟
وما موقف منظمة الرفق بالحيوان من فك أضراس السبع الأخطر، هل يعوِّض التأمين عندهم عليه أم أنه سيتحجج كما تفعل كل شركات التأمين أنها عملية تجميلية أو نتيجة عمل إرهابي؟
هل أخبر أحدهم شاعرنا أن يسرع إلى وادي الأسود لأن واحد فقط قد بقي منهم وهو أكثرهم جبنا ووحشية وهو راحل قريباً وقريبا جداً.
 هل أخبروه أن يسرع أيضاً ليأتي ب"حليب السباعي" فإذا استمر الوضع الإقتصادي في هذه البلاد على ما هو عليه لن يتمكن من أن يأتي لأطفالهما – إذا ما عادت – بحليب الأطفال حتى؟
ألم يكن حري به أيضاً حقناً للدماء ووأداً للفتنة وعوضاً أن يُركع الشمس ويمشي على كفيه، أن يأتي لها ب"كمشة" من لولو الجنة منذ البداية (خاصة أنه يريد سرقته) فلا شيء مثل اللولو – في يومنا هذا – يصنع الحب ويعيد الحبيبات التي هجرت.
ما كانت حالة هذا الشاعر النفسية يا ترى حين نصت أنامله هذه الأغنية الرومنسية، هل كان عالقاً في عجقة السير فاستوحى من أخلاق "الشوفرية"؟  أم كان يحاول إنجاز معاملة في إحدى الدوائر الرسمية؟ أم كان يتابع نشرة الأخبار؟ أم في السوبرماركت يحاول شراء بعض الحاجيات الأساسية؟ أم أنه كان يتابع يوميات الثوار في سوريا فاستوحى عباراته من عشق النظام لهم؟ أم كان يستمع للعماد عون بعض اجتماع تكتله أو لأحد حلفائه أصحاب الأصابع الممدودة؟
مما لا شك فيه أن هذه الأغنية "ستضرب" بغرابتها وسذاجتها وسيعتبرها الكثيرون "مهضومي ولو" وستكون دليلا إيضافياً على المستوى الذي وصل له الفن والسميعة على حد سواء.
ومما لا شك فيه أيضاً أن لا لوم على شاعرنا ومطربنا أذا ما استخدما في أغنيتهما هذا الأسلوب وهذه التعابير الوحشية، في وطن – لا بل في عالم – يعود كل يوم بممارساته ومفاهيمه وهمجيته وتعصبه وأنانيته وفوضاه إلى عصور الجاهلية وما قبلها بكثير.
 ربيع الحوراني المصري


http://www.beirutobserver.com/index.php?option=com_content&view=article&id=64573%3A2011-10-29-01-16-36&catid=56%3A2009-04-20-12-15-49

الجمعة، 21 أكتوبر، 2011

أبعد من الرقص فوق جثة الطاغية


وأخيراً، طاغية جديد يسقط وعصر مظلم ينتهي وحقبة طويلة من الظلم والإستبداد والخوف والدماء تغلق أيامها لتزرع زهرة إضافية فوق تراب ربيع العرب.
وأخيراً، ثورة جديدة ترفع رايات النصر فوق جثة الطاغية المخلوع، وتمزج دموع الفرح بالزغاريد متوجة ليالي القتال بالإنتصار، وحاملة النصر هدايا للشهداء الذين ما كانوا ليسقطوا لو لم يصبح جنون الطاغية أكبر من مساحة وطن ومن وجود شعب.
غذاً ستزف ليبيا عروسها الحرية، باستحقاق واعتزاز وفرح وفخر وتمضي إلى المستقبل الجديد وهنا تكمن الأهمية وهنا يتجلى التحدي الذي هو أبعد وأكبر من الرقص فوق جثة الطاغية.
فالأهم من سقوط الطاغية هو أن تسقط أفكاره، وتسقط هالته الموجودة في اللاوعي الجماعي. الأهم هو أن تسقط تلك العقلية التي زرعها في ظلال الظلم والصمت، أن يسقط الخوف من مواجهة المستقبل ومواكبة هذا العالم المسرع، أن يسقط الشعور بعدم القدرة على التغيير والتطور. الأهم هو القضاء على تلك الحاجة اللاواعية لطاغية جديد (شخص أو مجموعة) للتمكن من معاودة الحياة والمضي قدما نحو مستقبل جديد.
الأهم من فرح الإنتصار المشروع، هو استكمال الثورة وعدم الوقوع في شهوات الحكم والأنانية والاقتتال الداخلي ونهب منجزاتها والحفاظ على موارد البلاد بعدم نقلها إلى جيوب الجبناء من جيوب قذافيّ الدم جميعاً.
أمام ليبيا اليوم فرصة تاريخية لتكون واحة من الحرية والعمران في وسط المتوسط، وعليها تترب مسؤولية معنوية أمام الشعوب العربية التي تتوق للإنعتاق من سفاحيها، هذه المسؤولية تقضي بالحفاظ على الثورة ونقل البلاد إلى مستقبل أفضل، لأن كل ذلة قدم كالحاصلة في مصر اليوم (إضافة إلى الصورة المزروعة في الأذهان لعراق ما بعد صدام حيسن)، ستضرب مفهوم الثورة في عقول الشعوب العربية الثائرة والمنتظرة والمتفرجة، وستعطي دفعاً وحجةً لقادة الأنظمة وأزلامهم وشبيحتهم وأبواقهم. إن أي فشل يرتكبه ثوار الأمس قادة اليوم وأي صراع سوى ذلك الذي تفرضه الديمقراطية (وهو ضروري جداُ) سيتخطى تأثيره الحدود الليبية إلى قلب الربيع العربي بأكمله.
مبروك لليبيا نصرها وسقوط طاغيتها، وغداً – لا محالة – سنجدد الفرحة بسقوط طاغية جديد، إلى أن يكون النصر الأكبر حينما تتحرر الشعوب العربية ليس فقط من كل طغاتها بل من صمتها وخوفها وعجزها عن مواكبة الحاضر ومواجهة المستقبل.

ربيع الحوراني المصري