الأربعاء، 27 يوليو، 2011

على درب القداسة ...



بقلم ربيع الحوراني المصري

أربعة ... عشرون ... سبعون قديساً جديداً؟ لما لا؟ "زيادة الخير خير". والسماء تتسع والقلوب تتسع وأبناء الأرض يوطدون إيمانهم ويهللون لرؤية قدرة الله تتجلى في الإنسان.

بعيدا عن الحقائق اللاهوتية والدينية وشروط التطويب المعتمدة والمراسم، ودون تكليف النفس عناء البحث في الكتب وفي حنايا الذاكرة عن هذه الحقائق والشروط لا بد من السؤال ببساطة أين أنتم من "القداسة" وهل حتى أنكم وضعتم القدم الأولى على دربها الطويلة القاسية المعبدة بالآمال والآلام والأيمان والعذابات من أجل الخلاص والزهد والصلاة والتصوف والعفة والمحبة والصمت والتأمل والتسامح.
هل أعتقتم أنفسكم قبل المضي في هذه الدرب من كل عبودياتكم، لأسيادكم وأسيادهم ومشروع أسيادهم وسلاحكم وسلاحهم، هل أعتقتم أنفسكم من تأليه الذات وتأليه القضية؟ قديسون لا يؤمنون بآله واحد! كيف ذلك؟
هل أعتنقتم "المحبة" محبة الآخر، هل تعترفون أصلا بوجود هذا الآخر وتطلعاته وآماله وأحلامه وآلامه ومشاعره، هل قدمتم لهذا الآخر شيئاً غير الحقد والكراهية والشتيمة والتخوين والإستهزاء والفوقية والصراخ؟ قديسون بنظرات حاقدة عابسة وأصابع ممدودة! كيف ذلك؟
هل قبلتم السير على درب الجلجلة – التي فرضها عليكم عدوكم وعدونا – "دون مقابل"، أم أنكم تطلبون أغلى الأثمان من سلطة وجاه ومال وهيبة واستعلاء واستكبار؟ قديسون يريدون ابتلاع وطن وشعب! كيف ذلك؟
هل أدركتم معنى التسامح، ليس لدرجة أن تديروا الأيسر ولكن، ألستم أنتم من يحمّل الخطايا بتعسف لمن أخطأ ومن لم يخطئ ويصدر الأحكام فيختلق الأكاذيب ويجتاح المدن والجبال ويروع الأبرياء ويقتل العزّل؟ قديسون بأياد ملطخة بالدماء! كيف ذلك؟
هل أوقفتم دعمكم لتجار المخدرات، وتبيض الأموال، هل توقف وزراؤكم (ووزراء حلفائكم) عن نهب المال العام متخفيين تحت هالة "أشرف الناس ومكافحة الفساد"، هل توقفتم عن استغلال الناس وجوعهم وفقرهم وصرخاتهم للوصول إلى أهدافكم، ماذا قدمتم لهؤلاء سوى الكذب والخطابات والوعود والخوف والحروب؟ قديسون يتقنون الفساد واستغلال القضايا المحقة! كيف ذلك؟
هل قتلتم رفيق الحريري وشهداء ثورة الأرز؟ ربما.
هل قتلتم المناضلين الشيوعيين في الجنوب؟ ربما.
هل قتلتم الزيادين ولطفي زين الدين؟ ربما. قديسون متهمون بالقتل! كيف ذلك؟
الحقيقة أن خطاياكم كثيرة لن يغسلها ماء التكابر والإستعلاء والإستقواء والسلاح والصراخ والترهيب ولن يخفيها غبار التخويف والفوضى، فهل وأنتم على أعتاب درب القداسة فكرتم بإعادة حساباتكم، فكرتم بالاعتراف والتوبة من أجلكم ومن أجل هذا الوطن الذي يسير منذ عقود على درب الجلجلة؟
قديس منكم هو من تكون "عجيبته الأولى" أن يتواضع قليلا ويتخلى عن المشروع والمغامرة ويقرر الرجوع إلى كنف هذا الوطن ويعترف أنه ذهب بعيدا، ويدرك أن هذه البلاد بضعفها لا تتسع للمغامرات، وأن كل مغامرة لا تعود على البلاد وعلى أصحابها إلا بالويلات والدماء حيث لا ينفع "صرير الأسنان وفعل الندامة".
توقفوا عن تصنيف الناس بين شرفاء قديسيين وعملاء فاسدين، تواضعوا كالقديسين، أدخلوا إلى قلوبكم وقلوب الناس التي تزرعون فيها الحقد كل يوم بعض من المحبة والتسامح وقليل من معتى القداسة، قبل أن يقف هذا الوطن أمامكم ويقول "لا تغفر لهم يا أبتي لأنهم يدركون جيداً ماذا يفعلون!!".
http://www.beirutobserver.com/index.php?option=com_content&view=article&id=59019:2011-07-28-03-56-10&catid=56:2009-04-20-12-15-49
http://www.siyese.com/opinions/3ala-darb-alkadasa/

السبت، 9 يوليو، 2011

ثقة ... لمن؟



لم يفاجئ أحد بنيل الحكومة الميقاتية الثقة، فنحن في حالة إنقسام كبيرة، لا أقليات فيها ترفض أو تقبل في الربع الساعة الأخير بياناً وزارياً أو توجهاً لحكومة، فتعطي الثقة أو تحجبها وتكون في الموالاة أو في المعارضة وفقاً لما تمثله هذه الحكومة من مشروع سياسي واقتصادي وإنمائي واجتماعي ووطني وعملاني متكامل ، ووفق قدرتها على إنجاز هذا المشروع بما فيه خدمة البلاد والعباد.

نحن بعيدون كل البعد عن هذه الدينامية السياسية، منقسمون عامودياً بين فريقين ومشروعين وحلمين وتوجهين .

بحيث يمكن التنبؤ بكل ثقة بعدد النواب الذين سيعطون الثقة للحكومة، هذه الثقة التي شئنا أم أبينا وحتى الحكومة بأكملها ما كانت لتكون لو لم يضرب بعض نواب الأمة بعرض الحائط قناعات من أوصلهم إلى السدة البرلمانية.

ثقة مبنية على اللا ثقة...  ولكن في نهاية المطاف ولأننا من الفريق الذي يؤمن بالديمقراطية ويعترف بشوائبها ، نعلم أننا اليوم أمام حكومة جديدة وعهد جديد ومسلكية جديدة قد لا تفرق كثيرا عن مسلكية هذا الفريق السابقة ولكننا سننتظر لنرى كيف سيتم تجلي هذه المسلكية بحلتها الجديدة من داخل "الشرعية" وداخل الحكم وداخل السلطة.

نعم! لقد تمكن فريق الثامن من آذار أن يحصل على ثقة نوابه ونوابنا (للأسف) ولكن هل يستطيع حقا أن يحصل على ثقتنا، نحن الذي نمثل وفي غياب أية إحصائات حقيقية شريحة كبيرة وكبيرة جدا من الشعب..

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن لم يخفض إصبعه من وجهنا منذ سنين مهدداً متوعداً شاتماً صارخاً مستهزئاً.

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن مَثله الأعلى الجمهورية الإيراينية بديكتاتوريتها وسيطرة الدين فيها وباسيجها وخاصة بعزلتها عن المجتمع الدولي والعالم بأثره.

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن قبل بالدوحة وانقلب عليها وقبل بالقرارات الدولية وانقلب عليها وقبل بالمحكمة الدولية وانقلب عليها.

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن يتخذ قراراً فردياً أن حدثاً ما يهدد كيانه ووجوده ومهمته، وتكون ردة الفعل دون أن يكون لأحد حق الدفاع أو التوضيح، فيشتم من يشتم ويقتل من يقتل ويرعب من يرعب ويخون من يخون..

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن يتهم شريحة كبيرة من اللبنانيين بالعمالة كلما احتاج إلى ذلك، وهو يدرك أن في وطن مثل هذا الوطن أن تتهم أحد بالعمالة هو أن تهدر دمه أن تقول للذين قتل الصهاينة أطفالهم وهدموا بيوتهم أن أحد مواطنيكم هو شريك في هذا الإجرام، فكم من نفوس حللت للقتل في السنوات الأخيرة وكم منها قتلت بدم بارد "كما يقتل العملاء".

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن قتل الزيادين ولطفي زين الدين، لماذا قتلوا، ما ذنبهم؟ ما علاقتهم بقضية المقاومة؟ ما علاقة مايا كيروز بها أيضاً؟

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن زرع الرعب في النفوس في السابع من ايار –  نسي من نسي وتذكر من تذكر –  لمن جعل الناس تنظر بخوف من خلف ستائر منازلها نحو شوارع هي شوارعها،  ومدينة هي مدينتها فترى مسلحين هم أخوتها يقتلون أبناءها وينشرون الرعب في الزوايا والدروب والقلوب، لماذا لأن أحدعم تجرأ وسأل لماذا كاميراتهم تراقب مطار "بنغوريون"؟

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن يحارب الفساد ويغوص في العائلية والتبعية والصفقات، لمن أطل علينا بعد أحداث السابع من أيار المهينة السوداء الهوجاء المحزنة –  وكانت الناس لم تنزع عن عظامها رعشة الرعب بعد ولم تمسح عن عيونها صورة الموت والصمت وغبار الحقد والتسلط –  ليقول أن البلاد قد تغيرت وأن اليوم ليس مثل الأمس، ذلك الشتام الذي "يتمرجل" من قوة غيره وهو لم ننسَ بعد ولم ينسَ الوفاء ولم تنسَ الشجاعة ولم تنسَ الثقة، قد ترك رفاقه ومقاتليه وعائلته وكل من آمن به في أرض المعركة وفر مع المال الذي جُمع والملفات التي أُحرقت ليعود ويحاضر بالشجاعة والعفة.

نعطي ثقتنا لمن؟ لذلك الحزب الذي ينتمي إلى سوريا –  بل لنكن أوضح لآل الأسد – أكثر من انتمائه إلى وطنه ومستعد لبذل الغالي والنفيس من كيسه وكيس غيره ووطنه ومواطنيه، ليبقى هذا النظام الذي لا علاقة له لا بفكره ولا بكل الأفكار التي تركها "زعيمه".

نعطي ثقتنا لمن؟ للذي ذهب بالناس بعيدا بعيدا إلى حدود –  هم  أنفسهم لم يفكروا بالوصول إليها –  من الحقد والثورة والرغبة في الحرية والمواجهة مع الآخر، ولكنه استدرك وعاد حين تغيرت اللعبة وموازين القوة متهما أتباعه بقصر النظر السياسي ضاربا بعرض الحائط كل الوعود التي قطعت والأحلام والآمال التي بنيت حفاظا على السلم الأهلي.

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن عطل الحياة السياسية والبلاد أياما وسنين واتهم غيره يالتعطيل.

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن يوزع عند كل فجر شهادات بالوطنية على هذا وذاك، ويعلن أن جماعته هم أشرف الناس ويصنفنا كمواطنين "درجة ثانية" على قاعدة من معنا مغفورة خطاياه، حتى ولو كان مرتميا في أحضان إسرائيل منذ عقود، ومن ينتقدنا ولو بكلمة خائن وعميل وفاسد.

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن يقبل بقتل الأبرياء في سوريا ليبقى هذا النظام حامي إسرائيل الأكبر

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن يدّعي الألوهة وفي صفوفه عملاء بعدما اكد لنا أنه لا يخرق. لمن بين صفوفه أيضا قتلة "محتملون" لا ثقة عندنا حتى اليوم ببراءتهم ما لم يكن بين يدينا الدليل الحسي على ذلك.

ثقة لمن؟ لمن أخد الثقة على قاعدة إما الثقة لضرب المحكمة والدفاع عن سوريا وتنفيذ الإنقلاب الكبير إما الخراب وعدم الإستقرار.

نعطي ثقتنا لمن؟ وهذا أهم ما في الأمر، رغم عدم تسليط الضوء في إعلامنا على هذه النقطة، للذين جعلوا فلسفة القوة هي المسيطرة أن تكون قويا يحق لك أن تكذب أن تغير الحقائق والأعراف أن تكون أكبر من أية شرعية، وأي منطق وأية قوانين أن تسرق أن تقتل أن تشتم من تريد ومتى تريد أن تقدس من تريد وتلعن من تريد، حتى أضحى الكثيرون يحسون أنهم أقوى وينتظرون إثبات هذه القوى لأتفه الأسباب وعند كل مفاصل الحياة.

ومن ناحية أخرى ماذا فعل هذا الفريق الحاكم اليوم ليعزز عند الآخرين ثقتهم به ماذا فعل كي يطمئنهم؟

لو كان هدف هذا الفريق هو حقا المقاومة وليس إلا المقاومة ولو كان هذا مشروعه الحقيقي لكان شغله الشاغل هو زرع الثقة في قلوب الآخرين ونفوسهم وعقولهم، ورفع سلاحه فوق كل الشكوك وكل الشبهات، واحتواء الناس ورغباتهم وتوجهاتهم وآرائهم بالأسلوب والمستوى التي تقتضيهما قضية بمثل هذا النبل والأهمية، إنما الواقع عكس ذلك والهدف عكس ذلك والمسلكية عكس ذلك والمشروع مختلف تماما، فكيف تكون الثقة ولماذا؟

كانت ثقتنا على مر عقود، رغم تحفظنا على كثير من الأفكار، كبيرة وكانت يدنا ممدودة وكنا نشعر بأنا متحالفون مع رجال صادقون وأقوياء ومع حزب منظم ومؤسسة قائمة لضرب العدو الصهيوني، وكنا فاتحين بيوتنا وقلوبنا لاستقبال الآلاف من من أخرجتهم آلة القتل الصهيونبة من أرضهم، كنا نرى أنكم أهل لكل ثقة حتى ولو كانت صور المقاومين الشيوعيين الشهداء في الجنوب مثلاً تثير عندنا الكثير من التساؤلات ولكن كانت صورتكم صورة الأبطال فلماذا ومن أجل من انحدرتم بها في قلوب الكثيرين الكثيرين إلى مرحلة اللاثقة ... وأكثر

مبروك على ميقاتي "الثقة" التي حظي بها، وتلك التي نزعها من القلوب إلى غير رجعة.

مبروك علينا هذه الحكومة، وكلنا ثقة بأن هذه الأرض تعشق الربيع وأزهار حريته وفراشات سلامه، ذلك الربيع الآتي طال الوقت أم قصر مهما تلبدت السماء بغيوم التسلط والفوقية واللا ثقة ...

ربيع الحوراني المصري

السبت، 2 يوليو، 2011

حجارة الإستقرار والعدالة


منذ الزيادين وما قبلهما وما بعدهما، والهم الأول ل"لإطفائي" وليد جنبلاط وأد الفتنة والحفاظ على السلم الأهلي. والهدف الأول من كل التقلبات والتغيرات والتصريحات والعمل السياسي هو الحفاظ على الإستقرار في منطقة الجبل خاصة وفي بلاد عرفت ثمن ومعنى غياب الإستقرار وخبرت لوعة الحرب لسنين وعقود.
الهدف سامٍ جداً ومشروع ونبيل والتحرك السياسي رفضاً لإراقة الدماء مهم ومؤَّيد ومشجَّع ومنطقي، وغالبية هذا الشعب – باستثناء من تشكل الفوضى والحروب سبب وجودهم والبيئة الحاضنة لمشاريعهم وتوجهاتهم – لا تريد الحرب ولاإراقة الدماء ولا الإنقسام وتلعن الفتنة وموقظيها.
ولكن! يطلب الكثيرون وبينهم وليد جنبلاط اليوم من قوى الرابع عشر من آذار أن تحافظ على الإستقرار بعدم الدخول في لعبة الأمم الممثلة بالمحكمة والتعالي عن الجراح على قاعدة "ما في حدا أكبر من بلدو". وهنا لا بد من طرح بعض التسؤلات على قاعدة الإستيضاح لا أكثر:
لماذا على هذه القوى أن تلعب دور أم الصبي مجدداً رغم أن الكثيرين ينكرون عليها أمومتها ويرفضون حتى أن يكون لها حق الرعاية على قاعدة أنها "نهبت" كل ما يملك هذا الصغير وأنها تحمل جنسيات أجنبية وتتصرف وفقاً لما تمليه عليها إنتماءاتها الأخرى؟
ما هي الوسائل للمحافظة على العدالة والإستقرار في آن واحد غير قاعدة عفا الله عن ما مضى؟
أين كان الإستقرار عندما قتل الزيادين وعندما روِّعت بيروت في السابع من ايار لماذا لم يذرف حزب الله الدموع حينها على الإستقرار والسلم الأهلي؟
وبالنسبة لوجدان الطائفة الشيعية الذي يكثر الحديث اليوم عن تأثير القرار الإتهامي عليه في محاولة لتصوير الطائفة بأنها المستهدفة وتجريد القرار الإتهامي من الصفة الشخصية بإسقاطه على المجموعة التي ينتمي إليها الأفراد، فمع احترامنا الكبير والحقيقي للطائفة وتضحياتها ومقوماتها وأبطالها وشهدائها وقناعاتها وتوجهاتها وحرصنا على عدم تحميلها أية تبعات للقرار الظني أو حتى في المستقبل تبعات الحكم إذا ما ثبت أن أحد أبنائها هو الفاعل، تستوقفنا بعض الأسئلة من منطلق بعيد عن الطائفية ولكنه ناتج عن مراقبة الأحداث و نابع من الحرص على البدء بإحياء العدالة في الداخل قبل طلب العدالة القانونية: لماذا لا يكون الحرص نفسه على وجدان الطوائف الأخرى؟ لماذا لم يراعَ وجدان الطائفة السنية حين احتلت بيروت الغربية "السنية"، وحين رفعت صور بشار الأسد في الثامن من آذار بعد أقل من شهر على استشهاد الرئيس الحريري وكانت الطائفة السنية عن حق أو عن باطل تتهم عاطفيا وسياسيا وربما واقعياً النظام السوري بقتل الرجل، وعادت ورفعت الصور في أزقة بيروت في ذلك اليوم المجيد "السابع من أيار"، أليس مجرد إطلاق هذه التسمية على هذا اليوم الذي أساء لحزب الله أكثر من إلى أي أحد آخر هو استفزازا لمشاعر الكثير من أبناء الطوائف الأخرى. لماذا لم يسأل عن وجدان الطائفة السنية حين أقصي ممثلها الأول بالقوة وبالقمصان السود عن المركز (السني) الأول في بلاد تعشش الطائفية فيها في الأدمغة والأوردة؟ لماذا، وهذا أهم من كل ما تقدم، وإذا كان الحرص كل الحرص على الإستقرار تُحشر الطائفة السنية في كل مرة وتعاد وتتهم بسرقة البلاد وتنظيم السلفيين، ألا يزيد الإتهاض والنقمة من التوجهات السلفية؟ هل يجيب على هذا السؤال من هو حريص على السلم الأهلي؟ هل يتذكر تعاطف الدروز مع جماعة "الداعي عمار" في السابع من أيار، هل يدرك سبب التعاطف، رغم رفض الكثيرين من أبناء طائفة الموحدين الدروز هذه التجمعات ومثيلاتها؟ وإن كان يفعل إين كان الحرص على السلم الأهلي والإستقرار في كل ما تقدم.
كيف وافق حزب الله على المحكمة واستمات وليد جنبلاط لإطلاقها – وهي ما كانت لتكون لولا وقفته المشرفة دقائق بعد استشهاد الحريري؟ هل كان المجتمع الدولي وتركيبته وتوجهاته مختلفة؟ هل كان معاديا يومها لأميركا وإسرائيل؟ ماذا تغير؟ ألم يشك حزب الله مند اليوم الأول بتسييس المحكمة أم أنها فاجأت الجميع بتسييسها "المزعوم"؟
ماذا لو كان الأربعة المتهمون هم من نفذ الجريمة حقا – لم يستطع أحد حتى هذه الساعة تأكيد أو رفض هذه الفرضية – أيكون من المنطق أن يبقوا في مناصبهم وفي مهماتهم ويرفعون أصابعهم  - المغمسة في الدماء - في وجهنا ويدعون الألوهة والعفة والشرف؟ ألم يخترق حزب الله بالعملاء؟ فمن يؤكد أنه لم يُخترق كذلك بالقتلة والمجرمين؟
لماذا على الضعيف ومن لا يملك السلاح ولا يملك الحلفاء الحقيقيين إقليمياً أن يتنازل عن كل حقوقه وعن قاداته وعن شهدائه وعن نضاله وماذا سيقدم الطرف القوي والمسيطر في المقابل؟
ما هي الضمانات التي ستقدم لقوى الرابع عشر من آذار بأن لا تتكرر الإغتيالات، وأن لا تعود وتُجلد هذه القوى بعد أن تتنازل عن حقها كما حصل بعد حرب تموز 2006 ووقفتها الوطنية الشريفة آن ذاك ألم تتهم كل قاداتها وحتى المجتمعات المكونة لها بالتواطئ والعمالة (للتوضيح لم يكن أمام الرابع عشر من آذار سوى هذا الخيار، فالخيارات الأخرى ليست بديلا مقبولا، إنما هنا التركيز على ما تعرضت له هذه القوى بالمقابل) و كما حصل بعد وقفتها بعد الإنتخابات النيابية وعدم استغلالها للأكثرية مرتين متتاليتين، ألم تقصى عن الحكم بمجرد انتقال الأكثرية للفريق الآخر؟
وفي حال وافقت الرابع عشر من آذار على ترجيح كفة الإستقرار على كفة العدالة (بغض النظر عن واقعية وصدقية وصحة المعادلة التي تجمع هذين المفهومين) فما هو المقابل الذي سيقدمه الطرف الآخر إذا:
هل سيقوم بفك ارتباطه وارتباط البلاد بالمحورين الإيراني والسوري؟
هل سيوافق على "مناقشة" قضية السلاح بهدوء للوصول إلى صيغة تحميه وتطمئن الآخرين؟
هل سيتواضع قليلاً، هل ستخفض الأصابع المشهورة في وجه اللبنانيين، هل سيتوقف عن التخوين؟
هل سيسكت أبواقه أمثال ميشال عون ووئام وهاب وغيرهم ويريحنا من نعيقهم؟
هل سيوقف سياسية التعطيل ويقبل خروج البلاد من حالتها التي تستلزم العناية الفائقة إلى فضاء الحياة والأمل والاستقرار والانفتاح والسلام؟
هل سيقبل حتى بمناقشة كل هذه الأسئلة وهي أضعف الإيمانالتي إذا ما تحققت، بالعدالة أو بدونها، ستكون أرواح الشهداء في عليائهم هانئة مطمئنة؟
إلى الخائفين على الإستقرار نقول ...
لن يضرب الإستقرار سوى الإصرار على ضربه.
لن يضرب الإستقرار سوى شعور جزء لا يستهان به من اللبنانيين بالغبن والذل والدونية والتضحية دون مقابل.
لن يضرب الإستقرار سوى ممارسة الفوقية في التعاطي وتقسيم البلاد إلى إبن ست وإبن جارية.
لن يضرب الإستقرار سوى الذهاب بعيدا في مشاريع تخالف واقع هذه البلاد وتاريخها وانتمائها وتوجهات جزء كبير (أو الأكبر) من ابنائها.
لن يضرب الإستقرار سوى الإستمرار في الإفلات من العقاب على كل مستويات الجريمة.
لن يضرب الإستقرار سوى أن تكون دماء بعض الشهداء مقدسة وأخرى مصورة وكأنها ضاربة للإستقرار
لن يضرب الإستقرار سوى تأجيل الأزمة بانتظار انتداب أو وصاية جديدين يحافظان على السلم الأهلي في وطن كل من فيه قاصر عن نقله إلى بر الأمان والسلام والقيامة.
لن يضرب الإستقرار سوى شعور فريق كبير من اللبنانيين بأن لا حول ولا قوة له إلا بالله، وأن الله لا يملك حجارة ليضرب بها، وقد تكون حجارته الوحيدة هي العدالة التي ريجوها من المحكمة ... فمتى سيتقي المتسلطون الله ويجنبوننا جميعاً أن نرجم بالحجارة.
ربيع الحوراني المصري