الثلاثاء، 6 ديسمبر، 2011

أبعد من سقوط الأنظمة: كمال جنبلاط والسجن العربي الكبير



مختلفة ٌ هي ذكرى ميلاد كمال جنبلاط هذا العام، كما كانت مختلفة في العام 2005، لأنها تأتي على وقع طبول الربيع العربي القادم، وإن كانت براعمه لم تكتمل وأزهاره لم تتفتح بعد.
ومن ناحية أخرى مختلفة هي المشاعر تجاه ثورات العرب في هذا اليوم، وكأن في العقل والشعور والذاكرة تلازم عفوي بين "المعلم" وحالة التغيير العربيّ، فكأنه المعنيّ الأول أو صاحب الحلم الذي قد دخل في مرحلة التحقق، ربما لأنه قدم فكراً يتغذى من الحرية ويغذيها، وكان صرخةً في وجه الأنظمة القمعية، وثائراً أراد تدمير "السجن العربي الكبير" فمات واقفاً شامخاً وبقي السجّانون أحياءاً وانتهوا (أو ينتهون قريباً) تحت نعال الشعب والتاريخ ... والحرية.
كمال جنبلاط! لقد استفاقت الشعوب العربية، ونفضت عنها غبار أعوام من الذل والصمت والتبعية والتخلف والهتاف والصراخ والخوف والجهل واللامبالاة والفقر، استفاقت وثارت وصرخت وهتفت بإسم الحرية من تونس إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا ...
نعم، أول أبواب السجن الكبير قد فتحت، فتدحرجت رؤوس الحكام تحت صرخات الحق والحرية والإنعتاق، وبعض الأبواب الأخرى يدكها الثوار بإرادة لا تحبطها الدماء التي تريقها الأنظمة المتسلحة بنظرية المؤامرة المختبئة وراء شعارات الممانعة والمقاومة المزيفة والوحشية والحقد والظلم، ورغبةٍ في التحرر وعزمٍ لا يكل، ولا شك أنها ستفتح على مصرعيها في القريب العاجل.
ولكن بعيداً عن نشوة الإنتصار وفرح التغيير وأناشيد الحرية، تبقى أبواب كثيرة لا بد أن يحطمها العرب الثائرون ليرقي ربيعهم إلى ما حلمتَ به يوماً ، أبواب إن لم تشرع يبقى ذلك السجن الكبير مطبقاً على أحلام الشباب العربي وقدراتهم ومستقبلهم.
فحالة التغيير الحقيقية لا تكتمل بسقوط الأنظمة وحده، بل بتحطيم الكثير من الأفكار القائمة والعادات والأيديولوجيات والمعتقدات والإنفعالات، وبانتقال المجتمع العربي إلى حالة الرشد، وخروجه من الخوف، الخوف من التطور والتقدم والمشاعر والحب والحرية والحضارة والشعر والموسيقى والعلم والمرأة والغد والآخر ... لا بد أن يخرج هذا المجتمع العربي من حالة الركود (ٍStagnation) الفكري والعملي والعاطفي إلى حالة من الديناميكية المغيِّرة والحركة الفاعلة، لا بد أن يقضي على الرجعية والحاجة الماسة إلى زعيم وقائد وأن يعبر إلى مرحلة الإتكال على النفس إلى مرحلة حكم الشعب وفقاً لديمقراطية عملية حقيقية جديدة لكي تعلن العروبة المستنيرة انتصارها وإلا نكون قد استبدلنا مستبداً بآخر وجزمة بجزمة.
ولأن الحرية يجب أن تكون مقترنة بالوعي كما كنت تقول، لا بد من أن تنتقل الثورة العربية الحقيقية من الساحات والميادين إلى المؤسسات ودور التعليم والمجتمع والأسرة ومؤسسات المجتمع المدني والإعلام وكل المرافق التي تعمل على الإعلاء من شأن "الإنسان العربي" إلى مستوى الحضارة الحقيقية (وليس المدنية المزيفة) والسعادة المنبعثة من التحرر الحقيقي.
كمال جنبلاط! كثيرة هي الأفكار والمواضيع التي تجول في الخاطر في حضرتك من الحرية إلى الإنسان إلى التقدمية واليسار والعدالة والعالم الحالي المادي الإستهلاكي والحروب والأجيال الغير مبالية وسلطة المال والتعصب الديني والواقع اللبناني المهترئ وغياب الثقافة والفكر والفرح وحقائق الإيمان والتصوف والسعادة والعمل والعلم... ولكن يبقى ربيع العرب هو حدث الساعة وكلنا أمل أن تتوج هذه الثورة بانتصار "الإنسان العربي". ومن يدري قد تعلو قبل موعدنا في ذكرى استشهادك القادمة زغاريد الإنتصار على أعداء الأنسانية والأنسان وأعداء الحرية والتقدم، أولئك الذين أطلقوا عليك رصاصات غدرهم، وما زالوا يطلقونها على كل كلمة وصرخة وابتسامة وقلم. فيكونوا حينها قد رحلوا وتبقى أنت ويبقى فكرك وحلمك ليتفتح زهراً وفراشاً وطيوراً وخيراً وحباً وفرحاً وسلاماً وتطوراً ورقياً في ثنايا ربيع العرب الهارب من السجن الكبير  ...
ربيع الحوراني المصري