السبت، 9 يوليو، 2011

ثقة ... لمن؟



لم يفاجئ أحد بنيل الحكومة الميقاتية الثقة، فنحن في حالة إنقسام كبيرة، لا أقليات فيها ترفض أو تقبل في الربع الساعة الأخير بياناً وزارياً أو توجهاً لحكومة، فتعطي الثقة أو تحجبها وتكون في الموالاة أو في المعارضة وفقاً لما تمثله هذه الحكومة من مشروع سياسي واقتصادي وإنمائي واجتماعي ووطني وعملاني متكامل ، ووفق قدرتها على إنجاز هذا المشروع بما فيه خدمة البلاد والعباد.

نحن بعيدون كل البعد عن هذه الدينامية السياسية، منقسمون عامودياً بين فريقين ومشروعين وحلمين وتوجهين .

بحيث يمكن التنبؤ بكل ثقة بعدد النواب الذين سيعطون الثقة للحكومة، هذه الثقة التي شئنا أم أبينا وحتى الحكومة بأكملها ما كانت لتكون لو لم يضرب بعض نواب الأمة بعرض الحائط قناعات من أوصلهم إلى السدة البرلمانية.

ثقة مبنية على اللا ثقة...  ولكن في نهاية المطاف ولأننا من الفريق الذي يؤمن بالديمقراطية ويعترف بشوائبها ، نعلم أننا اليوم أمام حكومة جديدة وعهد جديد ومسلكية جديدة قد لا تفرق كثيرا عن مسلكية هذا الفريق السابقة ولكننا سننتظر لنرى كيف سيتم تجلي هذه المسلكية بحلتها الجديدة من داخل "الشرعية" وداخل الحكم وداخل السلطة.

نعم! لقد تمكن فريق الثامن من آذار أن يحصل على ثقة نوابه ونوابنا (للأسف) ولكن هل يستطيع حقا أن يحصل على ثقتنا، نحن الذي نمثل وفي غياب أية إحصائات حقيقية شريحة كبيرة وكبيرة جدا من الشعب..

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن لم يخفض إصبعه من وجهنا منذ سنين مهدداً متوعداً شاتماً صارخاً مستهزئاً.

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن مَثله الأعلى الجمهورية الإيراينية بديكتاتوريتها وسيطرة الدين فيها وباسيجها وخاصة بعزلتها عن المجتمع الدولي والعالم بأثره.

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن قبل بالدوحة وانقلب عليها وقبل بالقرارات الدولية وانقلب عليها وقبل بالمحكمة الدولية وانقلب عليها.

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن يتخذ قراراً فردياً أن حدثاً ما يهدد كيانه ووجوده ومهمته، وتكون ردة الفعل دون أن يكون لأحد حق الدفاع أو التوضيح، فيشتم من يشتم ويقتل من يقتل ويرعب من يرعب ويخون من يخون..

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن يتهم شريحة كبيرة من اللبنانيين بالعمالة كلما احتاج إلى ذلك، وهو يدرك أن في وطن مثل هذا الوطن أن تتهم أحد بالعمالة هو أن تهدر دمه أن تقول للذين قتل الصهاينة أطفالهم وهدموا بيوتهم أن أحد مواطنيكم هو شريك في هذا الإجرام، فكم من نفوس حللت للقتل في السنوات الأخيرة وكم منها قتلت بدم بارد "كما يقتل العملاء".

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن قتل الزيادين ولطفي زين الدين، لماذا قتلوا، ما ذنبهم؟ ما علاقتهم بقضية المقاومة؟ ما علاقة مايا كيروز بها أيضاً؟

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن زرع الرعب في النفوس في السابع من ايار –  نسي من نسي وتذكر من تذكر –  لمن جعل الناس تنظر بخوف من خلف ستائر منازلها نحو شوارع هي شوارعها،  ومدينة هي مدينتها فترى مسلحين هم أخوتها يقتلون أبناءها وينشرون الرعب في الزوايا والدروب والقلوب، لماذا لأن أحدعم تجرأ وسأل لماذا كاميراتهم تراقب مطار "بنغوريون"؟

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن يحارب الفساد ويغوص في العائلية والتبعية والصفقات، لمن أطل علينا بعد أحداث السابع من أيار المهينة السوداء الهوجاء المحزنة –  وكانت الناس لم تنزع عن عظامها رعشة الرعب بعد ولم تمسح عن عيونها صورة الموت والصمت وغبار الحقد والتسلط –  ليقول أن البلاد قد تغيرت وأن اليوم ليس مثل الأمس، ذلك الشتام الذي "يتمرجل" من قوة غيره وهو لم ننسَ بعد ولم ينسَ الوفاء ولم تنسَ الشجاعة ولم تنسَ الثقة، قد ترك رفاقه ومقاتليه وعائلته وكل من آمن به في أرض المعركة وفر مع المال الذي جُمع والملفات التي أُحرقت ليعود ويحاضر بالشجاعة والعفة.

نعطي ثقتنا لمن؟ لذلك الحزب الذي ينتمي إلى سوريا –  بل لنكن أوضح لآل الأسد – أكثر من انتمائه إلى وطنه ومستعد لبذل الغالي والنفيس من كيسه وكيس غيره ووطنه ومواطنيه، ليبقى هذا النظام الذي لا علاقة له لا بفكره ولا بكل الأفكار التي تركها "زعيمه".

نعطي ثقتنا لمن؟ للذي ذهب بالناس بعيدا بعيدا إلى حدود –  هم  أنفسهم لم يفكروا بالوصول إليها –  من الحقد والثورة والرغبة في الحرية والمواجهة مع الآخر، ولكنه استدرك وعاد حين تغيرت اللعبة وموازين القوة متهما أتباعه بقصر النظر السياسي ضاربا بعرض الحائط كل الوعود التي قطعت والأحلام والآمال التي بنيت حفاظا على السلم الأهلي.

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن عطل الحياة السياسية والبلاد أياما وسنين واتهم غيره يالتعطيل.

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن يوزع عند كل فجر شهادات بالوطنية على هذا وذاك، ويعلن أن جماعته هم أشرف الناس ويصنفنا كمواطنين "درجة ثانية" على قاعدة من معنا مغفورة خطاياه، حتى ولو كان مرتميا في أحضان إسرائيل منذ عقود، ومن ينتقدنا ولو بكلمة خائن وعميل وفاسد.

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن يقبل بقتل الأبرياء في سوريا ليبقى هذا النظام حامي إسرائيل الأكبر

نعطي ثقتنا لمن؟ لمن يدّعي الألوهة وفي صفوفه عملاء بعدما اكد لنا أنه لا يخرق. لمن بين صفوفه أيضا قتلة "محتملون" لا ثقة عندنا حتى اليوم ببراءتهم ما لم يكن بين يدينا الدليل الحسي على ذلك.

ثقة لمن؟ لمن أخد الثقة على قاعدة إما الثقة لضرب المحكمة والدفاع عن سوريا وتنفيذ الإنقلاب الكبير إما الخراب وعدم الإستقرار.

نعطي ثقتنا لمن؟ وهذا أهم ما في الأمر، رغم عدم تسليط الضوء في إعلامنا على هذه النقطة، للذين جعلوا فلسفة القوة هي المسيطرة أن تكون قويا يحق لك أن تكذب أن تغير الحقائق والأعراف أن تكون أكبر من أية شرعية، وأي منطق وأية قوانين أن تسرق أن تقتل أن تشتم من تريد ومتى تريد أن تقدس من تريد وتلعن من تريد، حتى أضحى الكثيرون يحسون أنهم أقوى وينتظرون إثبات هذه القوى لأتفه الأسباب وعند كل مفاصل الحياة.

ومن ناحية أخرى ماذا فعل هذا الفريق الحاكم اليوم ليعزز عند الآخرين ثقتهم به ماذا فعل كي يطمئنهم؟

لو كان هدف هذا الفريق هو حقا المقاومة وليس إلا المقاومة ولو كان هذا مشروعه الحقيقي لكان شغله الشاغل هو زرع الثقة في قلوب الآخرين ونفوسهم وعقولهم، ورفع سلاحه فوق كل الشكوك وكل الشبهات، واحتواء الناس ورغباتهم وتوجهاتهم وآرائهم بالأسلوب والمستوى التي تقتضيهما قضية بمثل هذا النبل والأهمية، إنما الواقع عكس ذلك والهدف عكس ذلك والمسلكية عكس ذلك والمشروع مختلف تماما، فكيف تكون الثقة ولماذا؟

كانت ثقتنا على مر عقود، رغم تحفظنا على كثير من الأفكار، كبيرة وكانت يدنا ممدودة وكنا نشعر بأنا متحالفون مع رجال صادقون وأقوياء ومع حزب منظم ومؤسسة قائمة لضرب العدو الصهيوني، وكنا فاتحين بيوتنا وقلوبنا لاستقبال الآلاف من من أخرجتهم آلة القتل الصهيونبة من أرضهم، كنا نرى أنكم أهل لكل ثقة حتى ولو كانت صور المقاومين الشيوعيين الشهداء في الجنوب مثلاً تثير عندنا الكثير من التساؤلات ولكن كانت صورتكم صورة الأبطال فلماذا ومن أجل من انحدرتم بها في قلوب الكثيرين الكثيرين إلى مرحلة اللاثقة ... وأكثر

مبروك على ميقاتي "الثقة" التي حظي بها، وتلك التي نزعها من القلوب إلى غير رجعة.

مبروك علينا هذه الحكومة، وكلنا ثقة بأن هذه الأرض تعشق الربيع وأزهار حريته وفراشات سلامه، ذلك الربيع الآتي طال الوقت أم قصر مهما تلبدت السماء بغيوم التسلط والفوقية واللا ثقة ...

ربيع الحوراني المصري