السبت، 2 يوليو 2011

حجارة الإستقرار والعدالة


منذ الزيادين وما قبلهما وما بعدهما، والهم الأول ل"لإطفائي" وليد جنبلاط وأد الفتنة والحفاظ على السلم الأهلي. والهدف الأول من كل التقلبات والتغيرات والتصريحات والعمل السياسي هو الحفاظ على الإستقرار في منطقة الجبل خاصة وفي بلاد عرفت ثمن ومعنى غياب الإستقرار وخبرت لوعة الحرب لسنين وعقود.
الهدف سامٍ جداً ومشروع ونبيل والتحرك السياسي رفضاً لإراقة الدماء مهم ومؤَّيد ومشجَّع ومنطقي، وغالبية هذا الشعب – باستثناء من تشكل الفوضى والحروب سبب وجودهم والبيئة الحاضنة لمشاريعهم وتوجهاتهم – لا تريد الحرب ولاإراقة الدماء ولا الإنقسام وتلعن الفتنة وموقظيها.
ولكن! يطلب الكثيرون وبينهم وليد جنبلاط اليوم من قوى الرابع عشر من آذار أن تحافظ على الإستقرار بعدم الدخول في لعبة الأمم الممثلة بالمحكمة والتعالي عن الجراح على قاعدة "ما في حدا أكبر من بلدو". وهنا لا بد من طرح بعض التسؤلات على قاعدة الإستيضاح لا أكثر:
لماذا على هذه القوى أن تلعب دور أم الصبي مجدداً رغم أن الكثيرين ينكرون عليها أمومتها ويرفضون حتى أن يكون لها حق الرعاية على قاعدة أنها "نهبت" كل ما يملك هذا الصغير وأنها تحمل جنسيات أجنبية وتتصرف وفقاً لما تمليه عليها إنتماءاتها الأخرى؟
ما هي الوسائل للمحافظة على العدالة والإستقرار في آن واحد غير قاعدة عفا الله عن ما مضى؟
أين كان الإستقرار عندما قتل الزيادين وعندما روِّعت بيروت في السابع من ايار لماذا لم يذرف حزب الله الدموع حينها على الإستقرار والسلم الأهلي؟
وبالنسبة لوجدان الطائفة الشيعية الذي يكثر الحديث اليوم عن تأثير القرار الإتهامي عليه في محاولة لتصوير الطائفة بأنها المستهدفة وتجريد القرار الإتهامي من الصفة الشخصية بإسقاطه على المجموعة التي ينتمي إليها الأفراد، فمع احترامنا الكبير والحقيقي للطائفة وتضحياتها ومقوماتها وأبطالها وشهدائها وقناعاتها وتوجهاتها وحرصنا على عدم تحميلها أية تبعات للقرار الظني أو حتى في المستقبل تبعات الحكم إذا ما ثبت أن أحد أبنائها هو الفاعل، تستوقفنا بعض الأسئلة من منطلق بعيد عن الطائفية ولكنه ناتج عن مراقبة الأحداث و نابع من الحرص على البدء بإحياء العدالة في الداخل قبل طلب العدالة القانونية: لماذا لا يكون الحرص نفسه على وجدان الطوائف الأخرى؟ لماذا لم يراعَ وجدان الطائفة السنية حين احتلت بيروت الغربية "السنية"، وحين رفعت صور بشار الأسد في الثامن من آذار بعد أقل من شهر على استشهاد الرئيس الحريري وكانت الطائفة السنية عن حق أو عن باطل تتهم عاطفيا وسياسيا وربما واقعياً النظام السوري بقتل الرجل، وعادت ورفعت الصور في أزقة بيروت في ذلك اليوم المجيد "السابع من أيار"، أليس مجرد إطلاق هذه التسمية على هذا اليوم الذي أساء لحزب الله أكثر من إلى أي أحد آخر هو استفزازا لمشاعر الكثير من أبناء الطوائف الأخرى. لماذا لم يسأل عن وجدان الطائفة السنية حين أقصي ممثلها الأول بالقوة وبالقمصان السود عن المركز (السني) الأول في بلاد تعشش الطائفية فيها في الأدمغة والأوردة؟ لماذا، وهذا أهم من كل ما تقدم، وإذا كان الحرص كل الحرص على الإستقرار تُحشر الطائفة السنية في كل مرة وتعاد وتتهم بسرقة البلاد وتنظيم السلفيين، ألا يزيد الإتهاض والنقمة من التوجهات السلفية؟ هل يجيب على هذا السؤال من هو حريص على السلم الأهلي؟ هل يتذكر تعاطف الدروز مع جماعة "الداعي عمار" في السابع من أيار، هل يدرك سبب التعاطف، رغم رفض الكثيرين من أبناء طائفة الموحدين الدروز هذه التجمعات ومثيلاتها؟ وإن كان يفعل إين كان الحرص على السلم الأهلي والإستقرار في كل ما تقدم.
كيف وافق حزب الله على المحكمة واستمات وليد جنبلاط لإطلاقها – وهي ما كانت لتكون لولا وقفته المشرفة دقائق بعد استشهاد الحريري؟ هل كان المجتمع الدولي وتركيبته وتوجهاته مختلفة؟ هل كان معاديا يومها لأميركا وإسرائيل؟ ماذا تغير؟ ألم يشك حزب الله مند اليوم الأول بتسييس المحكمة أم أنها فاجأت الجميع بتسييسها "المزعوم"؟
ماذا لو كان الأربعة المتهمون هم من نفذ الجريمة حقا – لم يستطع أحد حتى هذه الساعة تأكيد أو رفض هذه الفرضية – أيكون من المنطق أن يبقوا في مناصبهم وفي مهماتهم ويرفعون أصابعهم  - المغمسة في الدماء - في وجهنا ويدعون الألوهة والعفة والشرف؟ ألم يخترق حزب الله بالعملاء؟ فمن يؤكد أنه لم يُخترق كذلك بالقتلة والمجرمين؟
لماذا على الضعيف ومن لا يملك السلاح ولا يملك الحلفاء الحقيقيين إقليمياً أن يتنازل عن كل حقوقه وعن قاداته وعن شهدائه وعن نضاله وماذا سيقدم الطرف القوي والمسيطر في المقابل؟
ما هي الضمانات التي ستقدم لقوى الرابع عشر من آذار بأن لا تتكرر الإغتيالات، وأن لا تعود وتُجلد هذه القوى بعد أن تتنازل عن حقها كما حصل بعد حرب تموز 2006 ووقفتها الوطنية الشريفة آن ذاك ألم تتهم كل قاداتها وحتى المجتمعات المكونة لها بالتواطئ والعمالة (للتوضيح لم يكن أمام الرابع عشر من آذار سوى هذا الخيار، فالخيارات الأخرى ليست بديلا مقبولا، إنما هنا التركيز على ما تعرضت له هذه القوى بالمقابل) و كما حصل بعد وقفتها بعد الإنتخابات النيابية وعدم استغلالها للأكثرية مرتين متتاليتين، ألم تقصى عن الحكم بمجرد انتقال الأكثرية للفريق الآخر؟
وفي حال وافقت الرابع عشر من آذار على ترجيح كفة الإستقرار على كفة العدالة (بغض النظر عن واقعية وصدقية وصحة المعادلة التي تجمع هذين المفهومين) فما هو المقابل الذي سيقدمه الطرف الآخر إذا:
هل سيقوم بفك ارتباطه وارتباط البلاد بالمحورين الإيراني والسوري؟
هل سيوافق على "مناقشة" قضية السلاح بهدوء للوصول إلى صيغة تحميه وتطمئن الآخرين؟
هل سيتواضع قليلاً، هل ستخفض الأصابع المشهورة في وجه اللبنانيين، هل سيتوقف عن التخوين؟
هل سيسكت أبواقه أمثال ميشال عون ووئام وهاب وغيرهم ويريحنا من نعيقهم؟
هل سيوقف سياسية التعطيل ويقبل خروج البلاد من حالتها التي تستلزم العناية الفائقة إلى فضاء الحياة والأمل والاستقرار والانفتاح والسلام؟
هل سيقبل حتى بمناقشة كل هذه الأسئلة وهي أضعف الإيمانالتي إذا ما تحققت، بالعدالة أو بدونها، ستكون أرواح الشهداء في عليائهم هانئة مطمئنة؟
إلى الخائفين على الإستقرار نقول ...
لن يضرب الإستقرار سوى الإصرار على ضربه.
لن يضرب الإستقرار سوى شعور جزء لا يستهان به من اللبنانيين بالغبن والذل والدونية والتضحية دون مقابل.
لن يضرب الإستقرار سوى ممارسة الفوقية في التعاطي وتقسيم البلاد إلى إبن ست وإبن جارية.
لن يضرب الإستقرار سوى الذهاب بعيدا في مشاريع تخالف واقع هذه البلاد وتاريخها وانتمائها وتوجهات جزء كبير (أو الأكبر) من ابنائها.
لن يضرب الإستقرار سوى الإستمرار في الإفلات من العقاب على كل مستويات الجريمة.
لن يضرب الإستقرار سوى أن تكون دماء بعض الشهداء مقدسة وأخرى مصورة وكأنها ضاربة للإستقرار
لن يضرب الإستقرار سوى تأجيل الأزمة بانتظار انتداب أو وصاية جديدين يحافظان على السلم الأهلي في وطن كل من فيه قاصر عن نقله إلى بر الأمان والسلام والقيامة.
لن يضرب الإستقرار سوى شعور فريق كبير من اللبنانيين بأن لا حول ولا قوة له إلا بالله، وأن الله لا يملك حجارة ليضرب بها، وقد تكون حجارته الوحيدة هي العدالة التي ريجوها من المحكمة ... فمتى سيتقي المتسلطون الله ويجنبوننا جميعاً أن نرجم بالحجارة.
ربيع الحوراني المصري