الجمعة، 17 يونيو، 2011

كيف ... ولماذا؟



كيف ... ولماذا؟


أن تتشكَّل حكومة بعد أزمة طويلة في أي من بلدان العالم، هو حافز ارتياح للشعب وانطلاقة جديدة  لعجلة الدولة وتغيير قد يكون فيه الإفادة ودم جديد ينعش شرايين الحكم والإقتصاد وكل ما يمت ليوميات المواطنين بصلة، متى كانت هذه الحكومة آتية لخدمة الشعب والنهوض بالبلاد نحو الأفضل.
وفي لبنان ولدت الحكومة بعد مخاض عسير رغم أنها مشكَّلة من فريق واحد يفاخر بصلابته وتماسكه ويضع المواطن ومصلحة المواطن ومصالحه – التي انتظرت أربعة أشهر – فوق كل حساب وفي مقدمة الأهداف.
نعم ولدت الحكومة، فانتعشت أرواح المواطنين على أبواب الصيف أملاً ب"وضعٍ أفضل" وبصيف زاهر خاصة تحت عناوين مكافحة الفساد وإنهاء الفوضى.

وكمواطن، يكون من التشاؤم والتعصب والإستباقية والتسرع الحكم السلبي على تلك الحكومة، لماذا لا ننتظر، ندعو لها بالنجاح علها ترسم لهذه البلاد حاضراً أفضل ومستقبل أكثر ازدهارا وأمنا وبحبوحة وراحة بال، عندها سنربح جميعاً ونعلق النياشين على صدور وزرائها وفريقهم السياسي ونسامحهم على التأخير وربما على كل الممارسات الماضية، لكن مجموعة من الأسئلة – بئس الأسئلة – تسقط بديهية لتعكر فرحة التأليف وأمل التغيير الآتي والمستقبل المزدهر:
كيف ولدت هذه الحكومة بعد كل هذا الوقت وبعد كل التصادم والتخاصم والتشاؤم في ساعات قليلة بعد أن خرج الرئيس بشار حافظ الأسد مبدياً تأييده لولادتها، ولماذا؟
كيف لم تخطر ببال جهابذة الثامن من آذار الغيارى على مصلحة المواطن هذه التركيبة التي لا تختلف كثيرا عن تلك التي كانت لتتشكل في الأسبوع الأول بعد التكليف، وكيف غابت عن ناظرهم وبالهم وعقولهم كل تلك الحلول والأسماء والتقسيمات والتضحيات وظهرت فجأة بظرف ساعات، كالوحي، ولماذا؟
كيف قبل حزب الله الأقوى والممثل لطائفة بحجم الطائفة الشيعية أن يتخلى لمصلحة الطائفة السنية بمقعد وزاري وأن لا يمتلك – وهو من أسقط حكومة الحريري بقمصانه السود وقوته أو قوة سلاحه – حصة الأسد – كما يصوِّر أو يصوَّر – ولماذا؟
وفي وقت بلغ الصدام أوجه بين الطائفتين الشيعية والسنية إقليمياً ودولياً كيف أينعت براعم المحبة والتضحية (أيضا في ساعات قليلة) بين هذين الطائفتين فوق تراب هذا الوطن الذي يتقن الطائفية ويتأثر بكل ما حوله وخاصة الحروب والكراهية والأحقاد والأزمات، كيف لم تظهر تلك المحبة عند غزو بيروت "السنية" ولماذا؟
كيف انتقلت المحبة أيضا لتملأ قلبيّ بري وعون، تضحيات وشكر واحترام وتقدير، ولماذا؟
كيف يتكلم الجنرال عون عن الجهود التي ستصب والعرق الذي سيغدق للتصحيح ما أُتلف في قرابة العشرين سنة من الفوضى، ومعه وزراء من حركة أمل والقومي السوري والمردة والتقدمي الإشتراكي، ألم تكن هذه القوى – بغض النظر عن مسلكيتها داخل الحكم – شريكة أساسية فاعلة في حكومات "الفوضى" السابقة؟ ألم يكن عمر كرامة (والد فيصل كرامي الوزير في الحكومة الحالية) رئيسا للوزراء؟ ألم يكن الرئيس نجيب ميقاتي وزيرا في تلك الحكومات المتعاقبة؟ كيف يقبل أن يحالف عون أهل الفوضى؟ كيف قبل أصلاً أن يكون له وزراء سابقاً في حكومة فوضوي وفاسد من آل الحريري، ولماذا؟
وبالحديث عن عمر أفندي، كيف قبل نجله أن يكون وزيرا في الحكومة التي "نعت" والده سياسياً، ولماذا؟ ومن جهة أخرى كيف قبل ميقاتي هذا الدفع لفيصل كرامي على مستوى طرابلس، ولماذا؟
وإذا توجهنا إلى عرّاب الحكومة، بشار الأسد، فكيف قبل وسوريا تحت المجهر وفي براثم الإرهابيين والمسلحين المتآمرين أن يكون للبنان حكومة؟ كيف "تُسيسر" أمور الشعب اللبناني وسوريا في خطر، كيف تم هذا التغيير المفاجئ في الأفكار والنوايا والنفوس والمسلكية ... ولماذا؟
كيف استغنى رئيس الجمهورية عن زياد بارود وقبل بنصف وزير داخلية (ألم ينسَ تجربة نصف الوزير في الحكومة الماضية؟) ولماذا؟
كيف لم تعارض الطائفة الشيعية الكريمة الإنتقاص من عدد وزرائها (وتحديداً من أجل الطائفة السنية) كيف لم تحتج حتى، ولماذا؟
كيف ستواجه هذه الحكومة الإستحقاقات الدولية من المحكمة إلى القرارات الأخرى التي قد يستحدثها الواقع العربي والإقليمي؟ كيف ستتعاطى الحكومة مع قضية شهود الزورالتي أسقطت حكومة الوحدة الوطنية؟ كيف ستتعامل الحكومة مع المجتمع الدولي –  بغض النظر عن موقفنا منه ومن تصنيفه لحزب الله – وكيف يتعامل معها بدوره، هل ستكون حكومة معزولة دوليا على شاكلة الواقع في إيران وسوريا، وما هي تداعيات هذا الواقع على البلاد واقتصادها؟ أيضاً، ماذا سيكون الموقف "الرسمي" اللبناني من ما يجري في ليبيا في اليمن وخاصة في سوريا والبحرين؟ كيف ستعود قوى الثامن من آذار إلى الحكم عبر المؤسسات وقد عملت على تعطيلها سنوات عديدة، هل ستنهض بها مجدداً أم أنها ستجهز عليها من الداخل هذه المرة أم أنها ستستبدلها بمؤسساتها التي تدير البلاد فعلياً؟ كيف سيتعامل حزب الله وهو القيم الحقيقي على الحكومة مع جيشين ودولتين وأمنين في ظل معادلة الجيش والشعب والمقاومة في حكومة تحكمها المقاومة وربما يعارضها نصف الشعب؟
كيف ستتعامل الحكومة – وخاصة الرئيس ميقاتي – مع أحداث كأحداث طرابلس؟ كيف سيتعامل مع أبناء طائفته الذين على ما يبدو لم يهللوا لنصر الوزير الزائد على قاعدة "ربحنا وزيراً لككنا خسرنا حكومة وربما ... بلداً"؟
كما أن أسئلة أخرى، قديمة جديدة، تعكر علينا سعادة أن يكون للمرء حكومة: كيف تقدر أكثرية استحدثت بعد الإنتخابات أن تشكل حكومة لوحدها دون أن تتخطى الخطوط الحمر وتطيح بالسلم الأهلي؟ والأكثرية السابقة لم تستطع أن تحكم منفردة مرتين على التوالي، كيف تنازلت الثانية عن حقها وقدرت الأولى أن تحكم "لوحدها"... ولماذا؟ وكيف؟ بعد أن أسقط زعيم الطائفة السنية من المنصب السني الأعلى – إذا ابتعدنا عن التجميل الكلامي اللبناني وأخذنا الحقيقة كما هي – وسقط تيار المستقبل في غضون ساعات عديدة في أيار 2008 وشكلت حكومة من دون سعد الحريري وتيار المستقبل، يتحدث البعض عن خطورة الإمارة الحريرية ومخططاتها وقدرتها وأحلامها وسلاحها ويذهب بعيدا في مشاعر الخوف والتحدي والمواجهة والوطنية الحقيقية، كيف ... ولماذا؟
تشكلت الحكومة. عرفنا كيف ... والأيام الآتية ستخبرنا لماذا؟
تشكلت الحكومة. سنتظر إذا ونرى، ونحيا مع بعض الحقائق التي لا يمكن إنكارها ولم تعد تحتمل ال"كيف" أو ال"لماذا"، حقيقة أن زعماءنا مرتبطون بالخارج بطريقة وقحة مقرفة مذلة فاضحة يهوّلون علينا – أتباعهم كنا أم أخصامهم – ويمتلكون حياتنا ويرسمون يومياتنا ومستقبلنا بحبر الظلمة والخوف والقلق والتفرقة والكراهية وأذنهم في يد أسيادهم الإقليميين والدوليين والآمرين والمموليين دامية دماء التبعية والعار والخيانة والتزلف والوصولية. حقيقة أخرى أن من في يده القوة والسلاح يفعل ما يشاء ويصور نفسه حينا بمظهر الطاغية ملوحا بإصبعه جاحظا بعينيه مهددا متوعدا وحينا بمظهر المحب المتنازل الوطني السيد الحر المستقل، إن القوة هي التي تتكلم والقوة هي التي تحدد الخطأ من الصواب وتحدد ما سيكون فعلاً، فكفى حديثا عن التغيير أو المستقبل أو الحوار أو العلم أو العمل أو الوطن. وأخيراً، الحقيقة الأكثر إيلاماً أننا أبناء هذه البلاد لكننا غير راضين أن نكون بيادقاً على رقعة شطرنج الزعماء والدول لأننا تربينا على أن نسأل الجميع الجميع "كيف ولماذا".
تشكلت الحكومة. واختباءً خلف ستار التفاؤل نرجح أن يكون حزب الله هادئاً ومتريثاً، فالوضع في سوريا له أبعاده سواء سقط النظام أو عاد وارتمى "نهائياً" في الحضن الأميريكي، فحبذا لو يُترجم هذا التريث بعضاً من الهدوء والشعور بالأمن والطمأنينة على أبواب هذا الصيف الذي لم تهب رياحه الساخنة بعد ولم تعبق لياليه بما تبقى من ذلك الفرح اللبناني القديم، علنا لا نسأل في بداية الخريف القادم كيف مر هذا الصيف ولماذا؟
سيكتب التاريخ الكثير عن هذه المرحلة، وتحديداً عن الرئيس نجيب ميقاتي وسيسأله ألف مرة "كيف ... ولماذا؟"
ربيع الحوراني المصري