الأربعاء، 8 يونيو، 2011

أسوء من الأزمة


لا يختلف اثنان أن هناك أزمة في هذه البلاد.
أزمة إقتصادية أوسياسية أواجتماعية أو أزمة جكم أو حتى أزمة نظام.
ولم نكن بحاجة ليأكد لنا أحدهم أننا نحيا في حالة "أزمة" وأنه وفريقه السياسي حريصون كل الحرص على إيجاد حل لها ومعالجتها، خاصة إذا كان هذا الفريق هو من عطّل البلاد بكل ما أوتي من قوة وحنكة ووسائل مشروعة أو غير مشروعة منذ سنوات عديدة.
لا يختلف اثنان أيضاً أن هناك مشكلة في النظام لكن المستغرب هو أن يقوم هذا الفريق الذي أقفل المجلس النيابي وشل الحياة السياسية و قام في الماضي القريب بتعطيل حكومة الوحدة الوطنية، الآتية تحت قوة السلاح – سلاح الفريق نفسه – وقام بإسقاطها بحجة شهود الزور (فقط لتنشيط ذاكراتنا القصيرة - واختفى الشهود وتبخر الزور) وقام بتكليف رئيس وعرقل التأليف – علما أن الفريق الآخر قد أعلن عدم مشاركته منذ اللحظة الأولى – وفي النهاية يأتي هذا الفريق ليقول أن المشكلة في النظام ويذرف الدموع على الدولة والوطن ومصالح الناس ويخبرنا – في معرض الحديث أو في خفاياه – أنه لا بد من تعديل أو تغيير أو تحسين النظام ... لحل الأزمة.
لا يختلف اثنان أيضاً أن الدولة لم تعد قائمة وأن المؤسسات قد دمرت أو أنهكت أو أفرغت من مضمونها أو تم السيطرة عليها، ليأتي من بنى وما زال يبني دولة داخل هذا الدولة وعلى أنقاضها ومن خيراتها أحياناً، ليقنعنا بأهمية وجود الدولة القوية وحرصه على بنائها وأبنائها وأنه وفريقه يجهدون أنفسهم في الحفاظ عليها من أجل الجميع وأنه يحاول أن يجد لأزمتنا نحن مخرجاً وقد يكون – بعيداً عن المس بالطائف – في التغيير النظام دون غلبة أحد على أحد أو طائفة على طائفة ودون أن تصدح كما كانت تصدح في الماضي أسئلة على طراز "إنت مين؟" ودون التصنيفات المعتمدة مَن أشرف؟ ومَن أنظف؟ وربما – من كثرة اللطف في الحرص على المواطنين وعلى الدولة – من ألطف.
وإذا تغاضينا عن التعطيل وسلمنا جدلا أن تغيرا قد طرأ على خطاب ومسلكية هذا الفريق السياسي وأضحى هدفه منذ اليوم "تحسين وتطوير وتقوية الدولة اللبنانية والحفاظ عليها" وسلمنا جدلا أن الأزمة غير مفتعلة وأن هذا النظام لم يعد يصلح ولا بد من استبداله بما يؤمن سلامة وحرية وسعادة هذا الشعب الذي عانى الأمرين، فلماذا إذا تزامنت الدعوة مع الفشل في تشكيل الحكومة – أهم من ذلك – لماذا تزامنت الدعوة مع ذكرى وفاة الإمام الخوميني وخاصة لماذا تم إدراجها في نفس الكلمة التي تضمنت مديحا وغزلا للثورة الإيراينة وتعديد لمحاسن وقوة وثبات الجمهورية الإيرانية بعد هذه الثورة، فهل هذه هي روحية التغيير الذي سيطرح وهل هذا هو النظام الذي سنتمثل به ونأخذه بديلا عن نظامنا الذي تم نَعيه كما نعي بالأمس الرئيس عمر كرامة لغاية في نفس يعقوب؟
هذا هو حقا ما استوقفني في مجمل الكلمة، أحسست أنها المرة الأولة الذي يتم فيها الإفصاح عن المشاعر الحقيقية ومكنونات الصدور وحقائق النوايا التي لطالما تم تمويهها بقضايا وأسماء وأحداث، أحسست أنه الخطاب الأكثر صراحة وصدقا والأقرب إلى الواقع وأيضا إلى الحلم؟ ولكن ...
هل حقا أن أحدهم مقتنع أن غالبية هذا الشعب يحلم بنظام على شاكلة النظام في إيران؟
هل حقا أن أحدهم يظن أنه قد تبادر إلى تفكيرنا أو عرّج على أحلامنا – نحن من ناضل لسنوات في مزرعة الطوائف من أجل مجتمع مدني ودولة مدنية ونظام حكم مدني – أن يكون البديل عن شبه جمهوريتنا هو دولة دينية إسلامية كانت أو مسيحية؟
هل حقا أن أحدهم مقتنع بأننا نحلم بأن يكون عندنا مرشد أعلى حتى وإن كانت الرغبة لا تفارقه في أن يصبح يوما هذا المرشد؟
ومن ناحية أخرى لكي لا يحملنا التاريخ يوما أننا أضعنا فرصة الإستقرار والسلام والحرية والمجد، هل حقا أن النظام الإيراني يتمتع بهذا الكم من الديمقراطية، ألم نتابع بالأمس القريب الإنتخابات الرئاسية ولم نرَ المعارضين يهدَدون ويحاصَرون ويعتقَلون، هل حقا أن الباسيج هم أكثر تدليلاً للمعارضين من مخابرات البعث؟
هل حقا أن القوانين التي تحاسب وتشائل المرشد الأعلى والرئيس في إيران – رغم وجودها حقا – قد استعملت لمرة واحدة، واحدة فقط؟
وإذا كان الهدف هو استقرار هذه البلاد، فهل النظام الإيراني هو الأكثر إستقراراً؟
أما إذا كان الهدف سعادة الشعب، فهل المواطن الإيراني هو أكثر سعادة وطمأنينة وسلاما وبحبوحة من المواطن الأوروبي أو الكندي أو الأوسترالي أو الصيني، فإذا كان الخيار متاحا أمامنا كشعب لتغيير النظام فكثيرة هي الأنظمة التي يمكن تبنيها أو الإفادة من تجاربها أو الإقتداء بها أو حتى تعديلها بما يتناسب مع التركيبة اللبنانية.
أيضا وأيضا هل يظن أحدهم حقا أن أؤلئك الذين خسروا الغالي والنفيس ومستعدون لتضحية مجددا بكل ما ملكوا أو ملك الآخرون من أجل طوائفهم سواء هم اليوم في صفكم السياسي أو في المقلب الآخر سيقبلون بنظام الطائفة الواحدة – أيا تكن أو الدين الواحد – أياّ يكن فليكن الطرح ولنرَ حينها من سيؤده من اللبنانيين (إذا استثنيا العماد عون)؟
هل حقا أن أحدهم يظن أننا إذا اخترنا نظاما جديداً سنختار نظاماً معزولاًَ عالمياً – بغض النظر عن موقفنا من المجتمع الدولي – أم أننا سنختار نظاما أكثر اندماجا وتفاعلاً مع القرية الكونية التي شئنا أم أبينا تصغر يوماً بعد يوم؟
هل حقا أن أحدهم لم يقتنع بعد – سواء أنه يمثل غالبية هذا الشعب أو لا يمثلها أو أنه يحلم منذ عقود أن يكون المرشد الأعلى لدولة دينية يقضي فيها على كل الثورات والإنقلابات التي تصنعها أميركا وإسرائيل ويكم الأفواه ويتحدى العالم ويصفق له شافيزوالأسد وأبطال الديمقراطية في كوريا الشمالية – هل حقا أنه لم يقتنع بعد أن لبنان بتنوعه ليس إيران، سواء كان هذا التنوع ميزة أم لعنة لكنه واقع لا يمكن تجاهله وكل الأفكار التي حاولت العبث بهذا التنوع لم توصل البلاد و لم توصل أصحابها الا إلى الهاوية والتأزم.
لا يا سيد! إيران قد تكون قوية في إيران والتجربة تختلف من بلد إلى آخر وإذا كان لا بد من التغيير فليكن الإقتداء بالدول العلمانية التي تحب الحياة وتلعن الحرب وتقدس الإنسان والحرية وتؤمن بالمساواة والعدالة بين جميع أفرادها دون استثناء لا على شاكلة إيران ولا أيضا على شاكلة الولايات المتحدة الأميريكية.
أما "ستار أكاديمي" فهل انتقل من مجرد برنامج تافه لجمع المال وتسلية العالم إلى المعيار لتقييم نجاح الثورات والشعوب أم أن النظام الجديد لا مكان فيه للفن والموسيقى والشعر والأدب والفرح والحياة (بغض النظر عما يمثل منها "ستار أكاديمي") وسط الخوف والتعصب والسلاح والتهديد الفارغ والصراخ. حتى الرياضيات فهل حقا أنها الشغل الشاغل للإيرانيين وهم يستوردون كل المنتوج العلمي من الولايات المتحدة عدوهم الحقيقي وكما قيل مؤخرا من إسرائيل ربما، حمدا لله أن في بلادنا لا نتقن الرياضيات فما من حساب ولا من منطق يتقبل ما فعلتم وما تفعلون وكيف يغير فريقكم السياسي الحقائق والوقائع والأرقام.
يا سيد! العالم أضحى أكثر وضوحا مما تشتهون، والأخبار تصلنا بأكثر سرعة مما تتمنون، ونحن رغم جهلنا في الرياضيات إلا أننا نتابع هذه الأخبار وبلغات عديدة أكثر مما تتوقعون ونعلم واقع البلدان بعيدة كانت أم قريبة أكثر مما تريدون، فلا فائدة من محاولة تجميل الثورة الإيرانية وتمجيد الجمهورية التي يعشش الخوف في حناياها والتي تدفن صرخة ثوارها التي ستسمع قريبا لا محالة. لا ليس هذا حلمنا ولن يكون.
ليتنا نستطيع أن نصدق أن في هذه البلاد من يريد فعلا التغيير، التغيير من أجل كل اللبنانيين وليس من أجل فرد أو شخص أو جماعة أو عشيرة أو دين أو توجه أو دولة أخرى أو حلم آخر، التغيير نحو الإستقرار والسلام والتطور والعلمانية والمحبة والإنفتاح والحرية ... لكن ما في النفوس أكثر سوادا من واقع الأزمة ...