الخميس، 19 مايو، 2011

تأقلم … يا مغفّل!




بقلم ربيع الحوراني المصري
كلّهم يطلبون منك أنْ تتأقلم.

أصدقاء، أقارب، زملاء ممن يزعجهم الوضع أيضًا ولكنّهم على شفير التّأقلم يقولون: “شو بدّك تغيِّر البشر”، “ماشي الحال، هيدا البلد هيك”، “طول عمرو الوضع هيك، البلد فلتان”، “بس شو طالع بإيدنا، بدّك تتعوّد يا شريك”، “ولك بطّل في أخلاق عند النّاس بس ما في لزوم تعصّب ما فيك تغيّر شي”…

وآخرون يتفاجؤون عندما تحدّثهم عن انزعاجك من حال البلد ويقولون “ما في أحلى منّو”، “سهر وحريم وشمس وكًيف وسكر وتبولة وشو ناقصك حاج تنق” “Ski وبحر بنفس الوقت! روعة؟” أو ينهون الحديث بعبارة تضعك في مكان الساذج المغفل “مش هلقد ولو …”.

كلّهم يطلبون منك أنْ تتأقلم … وأنت تنظر إلى نفسك وإلى الحياة التّي يتابعها كثيرون دون تأثّر فتسأل: “هل هم غافلون أم أنت المغفل؟”

أتاقلم؟ كيف أتاقلم، مع ماذا؟ وأين؟ ولماذا؟ ومع من؟

أتاقلم؟ مع الفوضى؟ مع التّدني الكبير في الأخلاق، في القيم، في الثّقافة؟

أتاقلم؟ مع ال”لا أمن”؟ مع الوضع الإقتصادي كما هو؟ مع السّرقة والصّفقات؟ أتقلم مع الفساد؟ مع المحسوبية؟

كيف أتأقلم؟

أتاقلم؟ مع غياب القانون؟

أتاقلم؟ مع زعماء “ما فيون غير لَيْنا” مرتمين على أعتاب الدّول وحكّامها وأزلامها ينتظرون إشارة أو صفقة أو دعمًا أو تأييدًا أو تطمينًا ليعودوا ويملوا على مسامعنا واجب عشق فلان و الحقد على فلان و كره آخر ؟ أتأقلم مع هؤلاء الذين لا يستطيعون السّير بدون خيطان الدّول التّي تحرّكهم دون أن يتوصّلو – كالأطفال – إلى الإتفاق فيما بينهم لمصلحة الوطن ولم يفكّروا يومًا إلا في ذاتهم وعرشهم وأبنائهم وبقائهم وأحياناً ببقائنا كي نصفق لهم. أتاقلم؟ مع شعب لا يزال يؤمن بهم ويموت لأجلهم و”يتلف زلعومه” دفاعًا عنهم؟

أتاقلم؟ كيف أتاقلم وأنا في كلّ مرّة أقود سيارتي على الطّريق، أفقد أعصابي ألف مرّة، وأهرب من الخطر ألف مرّة، فمن يخرج من مفرق نحو الطّريق السّريع “بينطّ قدامك” بسرعة البرق ثم “يكزدر” ويوزّع ابتسامات الإستعلاء والقوّة، وخلفك يأتي البطل المستعجل الذّي لا يستطيع التّأخر ثانية واحدة “بيزمّر والطّريق مسكّرة وبيشَوْبِرْ وبيكْسُرْ عليك” ويشتمك في نهاية المطاف إذا انزعجت، ويأتيك بطل الBetween وبطل السلولير على الخط السّريع من الأوتوستراد وبطل “قب الموتو” عند ازدحام السّير، والبطل الذّي يسير “على العتم” ليلا “أصلن منوْرا بوجودو”، وبطل “الصفه بنص الطريق”، وذلك العظيم الذّي ينزعج منك ويأمرك بهزة خنصر أن ترجع إلى أول المفرق لأنه – هو – بعكس السير، والثنائي الخلوق الذان يتبادلان الحديث أمامك في طريق ضيقة من سيارة إلى سيارة لدقائق أوأكثر وكأنك ومن خلفك أشباح مستترة، وإذا أزعجت خاطرهما بزمور متواضع ف”يشوبر لك مَن أمامك و”يقلع” ويرمقك ذلك الذي يسير بعكس اتجاهك بنظرة تقول “ماشي الحال قطعتلنا حديثنا”، كيف أتاقلم وفضلا عن ذلك كله، غالبية من هم على الطريق يريدون أن يكونوا في المقدمة ومعظمهم مستعجل دون أي سبب للعجلة لكنه لبناني وأهم منك ومني ويريد أن يصل قبلك وقبلي.

أتأقلم؟ مع غالبية كبرى داست على أخلاقها منذ زمن بعيد، وكلهم متأهبون “ليركب مشكل” و”ما في حدود للمشكل لأنو ما عندن كبير”. أتأقلم؟ والكثيرون ينظرون إليك نظرة “أوعى يكون مش عاجبك” حتى لو أنهم قد عرضوا حياتك – ومن معك – للخطر منذ ثوان صغيرة. المشكلة ليست محصورة في السائقين وفي فنون القيادة اللبنانية، هذه عينة من سلوكيات وعينة من عقلية همجية وصولية فوقية متذاكية تمارَس في كل مفارق الحياة ومفاصلها، كل لبناني هو الأذكى هو الأول هو الأجمل هو الأفضل، وكل من في يده بعض المال أو يمت إلى مسؤول بصلة قربى حتى لو تعدت الألف جيل أو يحمل على جنبه سلاحا جبانا يعتبر نفسه أهم منك وأقوى وهو حاضر لإثبات ذلك وليتقدم عليك ويكون قبلك وأفضل منك في أي وقت تسنح الفرصة، فكيف أتأقلم؟

أتأقلم؟ مع شعب يدعي الحضارة ولم يتقبل حتى اليوم التوقف على الإشارة الحمراء، أو السير بين الخطين الأبيضين، أو وضع حزام الأمان، أو استعمال “الإشارة”، أو احترام أصغر حقوق الآخرين أو انتظار الدور؟

أتاقلم؟ مع التفشيخ؟ مع التشبيح الذي يتفشى في المجتمع كالوباء كل “يشبح” على كل، كل يحيى ليكون أفضل “على مستوى المادة لا أكثر” وكثيرون يفعلون ما لا يروق لهم وما لا يعجبهم و ما لا يليق بهم وما لا يستطيعون فعله حتى، فقط لأن غيرهم فعله.

أتاقلم؟ مع أن مَن مهمته حفظ النظام والقانون يخالف النظام والقانون.

أتاقلم؟ مع دولتين أو أكثر

وسلاحين أو أكثر

وثمانية عشرة عشيرة أو أكثر؟

أتاقلم؟ مع فكرة انتظار الحرب كهدية العيد في كل يوم وكل دقيقة كأنها قدرعلينا انتظاره أتى أو لم يأت

أتاقلم؟ مع الفقر الذي بدأ يكشر عن أنيابه من جهة والغناء الفاحش من جهة أخرى

أتأقلم؟ مع غياب العدالة الإجتماعية، والضمان الصحي والرعاية لكبار السن

أتأقلم مع غياب الرقابة عما نأكل ونشرب، عن المستشفيات والأطباء والأدوية، عن البرامج التلفزيونية والمدارس، عن الأسعار والتجار؟

أتاقلم؟ مع هذا الإسمنت الذي لن يترك شجرة خضراء واحدة؟ مع التلوث؟

أتأقلم مع مدينة لا حديقة عامة فيها ولا رصيف ولا أي مكان يرتاده الفقراء، أليست المسارح ودور السينما والحدائق العامة والأشجار ملاجئ ومتنفس للفقراء … وأبنائهم؟

أتاقلم؟ مع التمدن الذي يسمى حضارة، مع التعري المبتذل، والنساء المنسوخات المنفوخات، مع صغارنا الذين هاجروا إلى العالم الرقمي أو شبابنا الغارق في اللامبالاة وغياب الرعاية والأندية والجمعيات والتوعية، مع الإدمان المتفشي والقدرات المهاجرة والدولة الغائبة

أتاقلم؟ مع الطائفية والحقد

أتاقلم؟ كيف أتأقلم؟

نعم نحن شعب ذاكرته قصيرة، يتأقلم مع كل جديد، ويمشي “مع الزمن” لا بل يحاول أن يتخطاه مرات عديدة.

إذا كان المطلوب هو التصرف كمن هو غافل عن كل التدني الإنساني والأخلاقي والوطني والثقافي …

وإذا كان المطلوب هو التأقلم مع هذا العالم الجديد والبلد الجديد كما هما

وإذا كان الذكاء كما عرّفه الكثيرون بأنه “القدرة على التأقلم”…

فأنا أعترف أمام الجميع بأنني في هذا العالم من الغافلين … مغفّل، بكل فخر مغفل

http://www.siyese.com/opinions/ta2aklam-ya-moghaffal