الجمعة، 13 مايو 2011

إنتحار جماعي …


بعد الدّعوات التّي وجّهت لبعض القادة تحثّهم على  الإنتحار، حبّذا، حبّذا لو تطلّون علينا للمرّة الأولى والأخيرة بقرار وطني تاريخي مسؤول، وتعلنون عن عزمكم على الإنتحار الجماعي (بفتح الجيم)، نعم، تنتحرون جميعًا زعيمًا زعيمًا، قائدًا قائدًا، رئيسًا رئيسًا، مأجورًا مأجورًا، بوقًا بوقًا، تاجرًا تاجرًا، تنتحرون جميعًا ونستفيق على وطن بلا زعماء و”مسؤولين” وطن يحضِّر نفسه لمستقبل جديد.
لكن ذلك لا يكفي!
لتكتمل الفرحة ويكتمل الإنتصار، ولكيّ “تكملوا معروفكم” فيسطِّر التّاريخ فوق ظلمة صفحاتكم سطرًا نيرًا واحدًا، ورفقًا بمن سيبقى في هذه البلاد أولئك الذّين يرممون كل يوم بقايا وطن ويطمحون لحياة كريمة ويعشقون هذه البلاد وترابها وتنوعها وينظرون إلى المستقبل نظرة غارقة بين الخوف والأمل واللوعة والأسف والحزن ومحبّة الحياة، حبّذا لو تعتلون المنابر – قبل غيابكم المبارك – بخطاباتكم التّي لطالما  حوّلت منذ فجر التّاريخ الخير إلى شرّ والسّلام إلى حرب والوطن إلى مزرعة والشّباب إلى بضاعة معدّة لتصدير والمستقبل إلى أنفاق من القلق والحذر والرّعب والمحبّة إلى كراهية والأحلام إلى عذابات وخوف، وبوجوهكم الشّاحبة وبالصّراخ نفسه والعويل والتّخوين والتّهديد والوعيد والتّحريض والتّخويف والبكاء ذاتهم، لتقنعوا بعضًا من فئات الشّعب أنْ يحذوا حذوكم.
الطّائفيون مثلاً – أعداء الإنسان والأوطان والمحبّة – عباد انتمائهم وأسياد طوائفهم، وأولئك الذين يتبعونكم دون تفكير أو سؤال أو محاسبة فيقدسون من تعشقون ويبغضون أو حتى يقتلون من تكرهون، بالإضافة إلى كل من سرق قرشًا من المال العام (والخاص أيضًا) وكل من سخّر السلطة لمصلحة طرف أو مصلحة شخص، وكل من استعمل السّلطة وخاصة في زمن الوصاية للتنكيل بالأحرار، كلّ “الزعران” الذّين ينكّلون “بالأوادم”، كل من يقبل أن يكون هذا التراب رهنًا لأيّ سلطة خارجية صديقة أو شقيقة أو غريبة أو عدوة، كل من لم يتعلم انّ الحرب خسارة حتّى في قمّة الإنتصار وكل من يرفع سلاحه أو سلاح غيره في وجه لبناني آخر بغض النّظر عن تقييم هذا السّلاح على سلالم الكرامة والنّظافة والشّرف وكل من يتقاضى أموالا من خارج البلاد نظيفة أو آتية لكيّ تنظّف الأضرار بمصلحة النّاس والبلد، وكل الذّين لم يقتنعوا بعد بنهائية هذه البلاد وامتدادها العربي وجذورها العربية وانفتاحها على العالم – كلّ العالم – باستثناء الكيان الصهيوني، وكل عشاق الفوضى والعنف والكذب و”اللوفكة”، وقليلي الأخلاق عامة و”الشوفريّة” منهم خاصة، وأولئك الذين يودون طرحك خارج الطريق كيّ يمروا على الطّريقة اللبنانية المعتمدة “أنا أولا”، وهذه الطبقة المحشوة بالمال ،التّي تظن أننا مخلوقات فضائية أنزلت على الأرض بهدف إزعاج المنتمين اليها، وكل من خطط أو شارك أو نفذ أو استفاد من أي اغتيال أو تفجير في هذه البلاد، وكل من شارك في أية عملية تحريض ونبش للقبور ونفخ للكراهية، وكل من لا يؤمن أن هذا الوطن لجميع اللبنانيين جميعهم دون استثناء ولا يؤمن أن كل تجربة استئثار منظمة كانت أم هوجاء مدعومة من أعظم القوة أو فردية انقلبت على أصحابها وأرجعت البلاد ألف عام إلى الوراء.
نعم تجمعوا في إحدى الساحات العامة التي لم يأكلها جشع التجار بعد، واختاروا – في لحظة مجيدة كهذه – الطقس الذي يناسبكم والأغنية التي تستهويكم وطنية كانت أم عاطفية أم هيفوية، وليكن نهار فرح يلتقي فيه الزعيم والقائد والسارق والأزعر والمأجور والمتسلط والطائفي والمتكابر والحاقد والإستغلالي والعميل في رحلتهم الأخيرة إلى أعمق غياهب الجحيم ومزابل التاريخ الأكثر ظلمة وذلاً.
واتركوا البلاد تواكب التغيير الحاصل حولها، علّها تحصل على زهرة من ربيع هذا الشرق الآتي لا محال، أيا من حولتم ربيعنا خريفًا وصيفنا أعاصير حزن وحقد وكراهية ومحسوبية وعواصف تسلط وتبعية وذل وهجرة وتهجير ويأس وفقر.
أتركوا لنا المستقبل، أيا من لم تعرفوا في الماضي والحاضر قيادة الشعب إلى بر الأمان والأمن والسعادة والحرية والإنسانية والسلام.
الحقيقة أننا لا نؤمن بثقافة الموت ولا نريد منكم الإنتحار الحقيقي وإنما لا بد لنا ونحن لا نملك نظاما حقيقيا لنغيره أن نغير رموز هذا النظام جميعا ونغير الأفكار المتمثلة ببعض فئات الشعب المذكورة أعلاه، عله يكون لنا وطنا من جديد وطن بكل ما للكلمة من معنى بعدما فرغت من طهارة مضمونها ومجده وحقيقته.
مرحى أيا ربيع الشرق، هل سيكون لنا مكانا بين أزهارك وأنهارك وفراشات الحرية التي تنشد فوق تيك الأزهار أناشيد التغيير والنصر، أم أننا سننتظر كما في كل مرة أن يجبرنا القيّمون علينا على دفع ثمن التغيير إيجابيا كان أم سلبيا.
إذا كان الشعب يريد تغيير النظام فلا بد من فك الإرتهان بالقييمين على هذه البلاد المرتهنين دون استثناء لألف سلطة وسلطة ولا بد من تغيير المسلكيات والأفكار والمفاهيم، الإثنان معاً ككل متكامل، والا سيمر بنا الربيع متأملا بحزن تجارب التوافق والتعايش ومسرحيات البطولة ولاعناً تلك المزرعة الغارقة في الفوضى والحقد والتخلف المزيّنة بالتذاكي وقشور التطور والعناوين الشعرية الفضفاضة.
إذا كان الشعب يريد تغيير النظام فليبدأ كل منا بنفسه وأفكاره ومعتقداته وليحرر نفسه من أية عبودية لشخص أو لطائفة أو لفكرة أو لمبدأ أو لمادة، ولننظر إلى المستقبل نظرة بعيدة عن التذاكي والتعالي والحقد والكذب على الوطن والآخرين والنفس وإلا سنمضي قدما نحو إنتحارنا الجماعي الكبير.
http://www.siyese.com/entertainment-news/intihar-jama3i/