الثلاثاء، 3 أغسطس، 2010

وأخيراً ... أتى التغيير


فاجأني التغيير ... لكنه أسعدني فقد أنتظرته أعواما ولم يأتِ.
ورغم أن أشياء كثيرة أساسية وجوهرية ومهمة قد ظلت ثابتة في مكانها إلا أن التغيير – إذا ما كان إلى الأفضل وعلى مستوى الجماعة – تهلل له القلوب التي تسكنها الثورة ويزعجها الركود والصمت.
أفرحني التغيير، رغم أن الحالة السياسية لم تتغير، ثابتة في انحطاطها وضياعها وانتظارها للإشارات الخارجية، خطابات وقادة وزعماء واجتماعات وزيارات والمبدأ ذاته "حركة بلا بركة" والشعب ومن ثم الوطن آخر الهموم، الإنتخابات بعيدة ولا حاجة الآن لا للشارع ولا لتحريكه ولا للحناجر ولا حتى لدماء الأبرياء فلماذا ينظر إلى الشعب؟ والوضع الإقليمي بدوره لم يتغير سوريا ثابتة في مثلثها الذهبي الحفاظ على النظام وانتظار الفرصة لبلع "لبنان الشقيق" وبيع المواقف لإسرائيل وإيران والولايات المتحدة في آن معاً، إسرائيل لم تتغيير توسع واغتصاب وتعطش للدماء ولا مبالاة بالمجتمع الدولي لا بل بالإنسانية جمعاء، إيران تحافظ على مصالحها مختبئة خلف القضية الفلسطينية والعداء لإسرائيل، الولايات المتحدة تتنقل من مستنقع إلى آخر في الخارج والداخل وتلوك أنشودة الحرية والإرهاب والعرب في سباتهم العميق.
أسعدني التغيير، ورغم أن الحالة الثقافية لم يلفحها التغيير منذ زمن – فهنا الإنحطاط الحقيقي – قلة من المعارض والندوات والحلقات حوارية أما الكتاب فمبيعاته في تدن ٍ إذا ما استثنينا كتب الطبخ والأبراج في مدينة اختيرت عاصمة للكتاب. والحالة الشبابية – عنصر التغيير الأكبر- همدت بعد انتهاء الإصطفاف السياسي فلا جمعيات حقيقة فاعلة ولا أندية رياضية أو ثقافية إلا القليل القليل. جامعيون بأعداد كبيرة ومثيرة أيضا معدّون للهجرة، أقلية مثقفة لا تجد مكاناً أو متنفساً لها، وأغلبية غارقة في الامبالاة والحياة التافهة.
هلّلت للتغيير، رغم استمرار التدني في القيم والأخلاق، رحلة خلف المقود تكفي لملاحظة المستوى التي وصلت إليه الأخلاق وتفشي التشبيح وغياب الوعي والمسؤولية، ولعل القيادة حالة يمكن إسقاطها على واقع هذا المجتمع المترهل.
أراحني التغيير، رغم الثبات المضني في الحالة الإقتصادية، الطبقة المتوسطة في انقراض، أقلية غنية بعضها يستحق ما جناه بعرق الجبين فيحاول جاهدا الحفاظ على الأرزاق والأبناء في بلد غده لا يبشر بالخير، وطبقة فاحشة الثراء تمارس التشبيح ووتنكب على الغدوات والعشوات والظهور في المجلات واقتناء "الباديجاردات" وتجميل الشفاه والصدور والوجوه والقامات، وطبقة فقيرة صامتة تحيا في الأيام الأولى من كل شهر وتمضي ما تبقى منه على مقاعد الإنتظار أو على أبواب السفارات في بلد لا تتحرك فيه الأفواه الجائعة إلا بأمرٍ من القيادات السياسية المتخمة.
احتفلت بالتغيير رغم أن "التقنين" باقٍ في يومياتنا بعد عقدين من توقف الحرب فمن ارتضى الظلمة لازمته في كل مفاصل حياته، ورغم أن من كان يسرق مربع فوق عرش السلطة، ورغم الخوف الذي يزرع في النفوس وشبح الحرب المخيم على هذه البلاد كأنه قدرها، ورغم غياب الضمانات الإجتماعية والأمنية والحياتية الأساسية ورغم أن تجمع العشائر اللبنانية التي تسمى طوائف لا تضمر لبعضها إلا الشر غير أنني في ذلك الصباح عندما رأيت مستوعبات السوكلين شامخة بلونها الفستقي الجديد لون ملؤه الفرح والتجدد والأمل، وإلى جانب مستوعبات القمامة أطنان من الإسفلت تمدد على الطرقات هنا وهناك أحسست بنشوة كبيرة وبسعادة لا توصف هو التغيير أخيراً تغيير على مستوى الجماعة ومساحة الوطن.
نعم إنه التغيير، وهو يجسد الحالة التي نحيا تجسيدا عفوياً لكنه صادقاً، بقايا من وطن متهرئة يتم تجميلها وتزيينها دون محاولة تغيير واقعها أو محتواها، وطريق رسمها القدر منذ زمن لا تتغير ولا تتطور ولا تتحسن بل يلقى عليها "الزفت" لتغطية اعوجاجها وحقيقتها.
بئس البلاد التي لا تعرف التغيير المكبلة بأغلال الصمت والطائفية والتبعية والتذاكي والحقد والتشبيح والفوضى والكذب والزعامات المرتهنة والشعب ذو الذاكرة القصيرة.
بئس البلاد التي لا ينتظر منها شعبها – أو يحاول أن يُحدث - من زمن بعيد تغييرا أفضل من هذا ... 
(مجلة كزامزا)