الجمعة، 19 مارس، 2010

صرخة


إفشلوا، انتصروا، غيروا، بدلوا، بايعوا... ولكن لا تحاولوا أرجوكم أن تستضعفوا عقولنا وتمرروا في دمائنا أفيوناً يسمى العروبة.

قرروا، تسامحوا، وانسوا ما شئتم ومن شئتم ... ولكن لا تحاولوا – لإقناعنا بضرورة تغيير هذا الموقف أو ذاك – أن تدخلوا إلى عقولنا من بوابة العداء للصهاينة أو إلى قلوبنا من بوابة النصرة للشعب الفلسطيني.
فنحن مع العرب ومع العروبة، شربناها بالفطرة مع حليب الأطفال كما شربنا الحقد على الصهاينة، وترعرعنا على قضية تسمى فلسطين قبل أن نفطن أن في الأرض قضايا أخرى قد يناضل الإنسان من أجلها، ورددنا الأغاني الملتزمة حتى امتزج الأبيض والأسود والأخضر مع الأحمر في دمائنا قبل مشاعر الحب والشوق وأسرار المراهقة، وحفرت مزايا الشهامة والبطولة العربية في أخلاقنا مع سير الأبطال والتضحيات، آمنا بالعروبة الهاربة من السجن الكبير كما قال المعلم، العروبة المتنورة المطوّرة المتطورة، العروبة الرافضة للأنظمة الشمولية والديكتاتورية وحكم العائلة الواحدة وتقديس الحكام والرؤساء والملوك. آمنا بفلسطين قضية العرب جميعاً والجرح الذي يقض المضاجع ومقاومة الزيت الساخن. ولكن أين هي هذه العروبة من تلك التي نهرول نحوها اليوم، هل حقا أن القضية الفلسطينية أصبح القيّم عليها اليوم بشار حافظ الأسد وله وحده صلاحية توزيع الشهادات في الولاء للعروبة؟ هل حقاً أن زيارته هي تأشيرة الدخول لزعيم وطائفة وشعب إلى كنف العروبة وقضاياها؟ إشهد يا جولان واشهدي يا عين دارة ويا تل الزعتر ويا جنوب 2006 ويا شهداء الحركة الوطنية من كمال جنبلاط إلى الأبطال الوطنيين في الجنوب. أخرجوا كل المفردات التي تحرك الشارع العربي من أدراج النسيان ولكن لا تحاولوا إقناعنا أننا قد ضللنا الطريق لخمسة سنوات من التخلي واليوم رجعنا إلى خط عروبة كمال جنبلاط المتمثل بسوريا وفارس من قبلها وبعدها.
صرّحوا، سافروا،اعتذروا ... ولكن لا تطلبوا منا أن ننسى من قتل المعلم ورفيقيه ونسامح بخشوع وتقوى، ونسوي الظالم بالجلاد والمخرز بالعين والقاتل بالضحية. لا تطلبوا منا أن نقتنع أن وردة على ضريح المعلم لها هذا التأثير فى مسار السياسة وأن الحقد يمحا بتغيير الزعيم أو المرحلة السياسية، أو الظلم ينسى بمجرد الحاجة إلى تغيير الموقف الساسي، ثلاثون عاما كنا فيها مع سوريا قالبا لا قلبا فلم يزد الحقد الا حقدا ولم يزد الغضب الا غضباً أتذكرون كبف نزل الدروز إلى ساحة الشهداء بطريقة فطرية بحركهم الغضب والصوت الصارخ "جاء يوم يا أيها الكبير لنقول لك لم ننس ولن ننسى ولنقول للجلاد السوري كفا كفا " يومها اعتذرنا من المعلم ومن الأحرار أننا التحقنا بركبهم متأخرين فماذا تغير؟". ثلاثون عاما مضوا مع سوريا ماذا جنينا وأين أصبحنا وماذا جنت البلاد معنا؟ واليوم نؤسس لعقود أخرى من التحالف العربي الأخوي فهل يتخيل أحدكم كيف سيكون واقعنا وواقع البلاد عندما يأتي اليوم الذي سنعود فيه وننقلب على سوريا؟
فسروا، تزلفوا، برروا، ألهوا ... ولكن لا تطلبوا منا الصمت، ولا تمنعوا عنا حق التعبير عن الرأي ولا تنظروا إلينا نظرات الشفقة والإحتقار لأننا لم ننبر للدفاع عن الشخص والموقف والحزب والفكر والقضية، لن تأثر كلماتنا على تاريخ الحزب العريق وعلى هيبة الزعيم وعلى ضخامة الفكر بل ما يؤثر هو الموقف والعمل والتغيير والتحرر من عقد الفوقية والنقص، والشرق والغرب، واليمين واليسار، والعمل والسلطة، والعمال والإقطاع، والعلمانية والطائفة، والحرية والعروبة. ما يؤثر هو الوقفات الكبيرة التي يسطرها التاريخ والصغيرة في البلدات والقرى والمناطق التي تدون في ذاكرة الفرد والجماعة و"العمل المباشر" لتطوير هذا المجتمع الذي ننتمي إليه في حزب مبنية عقيدته على التطور والمعرفة والعمل المباشر. 
خونوا، اشمتوا، اشتموا، واطلبوا أن لا ينشر الغسيل فوق صفحات الإنترنت والجرائد ... ولكن لا تزايدوا لا بالإنتماء ولا بالولاء ولا بالقدرة على تحمل المسؤولية ولا بالإيمان بالفكر ولا بالعرفان بالجميل لأجيال من النضال ولا بالحرص على الطائفة. وتحديداً لا تحاولوا أن تنطقوا باسم المعلم وتقول أنه لو كان هنا لكان قد قبل أو رفض أو بارك أو فعل أو لم يفعل. أتركوا المعلم في عليائه واتركوا القدس – وألف تحية للقدس – غارقة في جرحها فلم يدافع أحد منذ زمن بعيد عن حبةٍ من تراب القدس سوى بعض الحجارة التي يلقيها الأطفال دون أن يتاح لهم أن يأخدوا تصريحاً بالعروبة من دمشق وحاكمها.
يا أيها الرفاق!
مشكلتنا ليست في أن يذهب وليد جنبلاط إلى دمشق أو لا يذهب. ولا في أن يبقى في ثورة الأرز أو يخرج منها.
مشكلتنا ليست في الموقف الآني فغداً سيقول التاريخ أو نقول أن وليد جنبلاط هو على حق في زمن السياسة فيه "بنت ساعتها" والشر يتربص على المفارق والبلد ساحة قتال للغرب والشرق. مشكلتا غياب الموقف الوسطي بين يشار القرد وبشار صمام أمان العروبة. مشكلتنا أن طائفة بأكملها بشبابها وشيبها ونسائها وأطفالها تؤخذ بعيداً في المواقف والحقد والغضب "نأخذ السلاح منكم ونقاتلكم" ومن ثم يجب عليها في ليلة وضحاها أن تنسى وتنفتح وتقبل وترضخ ولا يحق لها حتى أن تساأل. مشكلتنا أن يقال عنا بعد أيام من الإنتخابات النيابية أننا اقترعنا بشكل غرائزي! فمن له القدرة في مجتمع كمجتمعنا أن يحرك غرائز الجماهير؟
مشكلتنا هي في غياب العمل الحزبي الجدي وفي بعد الكثير من شبابنا كل البعد عن الحزب (ويساهم تغيير المواقف دون توضيح أو تفسير بإبعادهم أكثر). مشكلتنا أن القدرة التأثيرية للحزب في المجتمع بعيداً عن المواقف التي يطلقها رئيسه شبه معدومة مشكلتنا أن الحزب بعيد كل البعد عن قضاياه النضالية التي نشأ لأجلها، شأنه شأن كل الأحزاب والتيارات الأخرى فلا يشمتن أحد أبداً.
مشكلتنا أننا لا نرضى إلا أن يكون حزب كمال جنبلاط أعرق الأحزاب وأكثرها ديناميكية وتأثيراً ونشاطاً ولكن هل هناك قرار جدي بالتغيير ومن أين يبدأ إذا حصل؟.
مشكلتنا أننا اعتنقنا التقدمية الإشتراكية وآمنا بالتطور والحرية المقترنة بالوعي، وفضيلتي النشاط والمعرفة، والعمل المباشر والإنسان القيمة والهدف وغاية الغايات. وعقيدتنا ثابتة نمارسها في حياتنا قدر ما يسمح لنا هذا العالم المسرع ولكن أين الحزب منها؟
مشكلتنا ربما أننا قليلو الخبرة في السياسة، قصيروا النظر في التغيرات الكونية، فلما لم يتكلف أحد عناء التفسير والشرح والتوضيح؟ أم لا حاجة لأن نفهم؟!
مشكلتنا أننا نعي جيدا أن بعض المواقف هي حقن للدماء، ونحن لا نريد الدماء ولا العنف ولا الإقتتال ولا الحرب ولكن كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟
مشكلتنا أن خلقنا في بلاد زرعها التاريخ والجغرافيا على فوهة بركان ولا قيمة للإنسان فيها خارج الطائفة وزعيمها.
مشكلتنا أن الطوائف الأخرى حين خرج زعمائها عن مبادئهم، لم تنطق بكلمة ولم تعارض ولم تحاسب بل هللت ودافعت وبايعت وسلمت، ويومها انتقدنا هذا الموقف بشراسة كبيرة فلمَ نرضى لأنفسنا ما لم نرضه لغيرنا؟
مشكلتنا – وهنا التناقض – أننا إذا رأينا رمز الطائفة في موقف الضعيف أو المهان أو المعتذر قسراُ فلا يمكننا – ومهما بلغت شدة انفتاحنا وعلمانيتنا – الا أن نشعر بالذل والغضب والإهانة.
مشكلتنا أن كمال جنبلاط ساكن فينا صرخة حرية في هذا الشرق المظلم وأن اغتياله كان شتيمة للمستقبل، هذا المستقبل الذي نحن أبناؤه.
إنها صرخة مختصرة جداً جداً – من أجل الحزب وليس ضده – تغص بها كثير كثير من الحناجر، نقولها ولكن في النهاية نردد مع المعلم في ذكرى اغتياله "إذا خيرتم بين حزبكم وضميركم فاختاروا ضميركم لأن الإنسان يستطيع أن يحيا بلا حزب ولكنه لا يستطيع أن يحيا بلا ضمير".