الأحد، 4 مايو 2008

عقبال العايزين WEDDING FOLIES


نعم زفافنا هذا الصيف ... قررنا أخيراً أن نحزم أمتعة الحب والشوق والانتظار ونبحر إلى عالمنا الجديد بيتاً وأطفالاً وحياةً مشتركة بحلوها ومرها وعسرها ويسرها فنكون معاً ونظل معاً حتى "في سكون تذكرات الله".
عرسنا هذا الصيف ... لا وقت ليضيع، تحضيرات كثيرة الزمان والمكان، الزفة والفستان، الضيافة والمصورون والألوان وتحضير البيت الصغير الذي ستشهد جدرانه خفايا الجزء الثاني من الحكاية الطويلة: غرفة جلوس هنا ومطبخ هناك وأفكار منها ما هو قيد التنفيذ ومنها ما يبقى حلماً رهنا للامكانيات.
تحضيرات كثيرة مرهقة وممتعة في آن وألف سؤال ومليون فكرة ... إنه اليوم المنتظر منذ ألف عام.
يوم "الفرح" كما يسمونه لكن الفرح ممزوج بكثير من الغموض والقلق والحيرة المغمورة بحزن رقيق في بلاد قدرها أن تبقى على حافة الانفجار قدرها أن تكون حقلا للألغام والصفقات والتفاوض قدرها أن تبقى مضرّجة التاريخ مجهولة المستقبل.
إنه لصعب جداً هذا التناقض الكبير بين فرحة الزواج ومعناه وقيمته و"عجقته" وبين واقع بلاد يسكن شوارعها الخوف والغضب وساحاتها الشلل والخيم وأيامها الهواجس والرعب.
مقلق جداً هذا الشعور أن الوطن بأثره رمال متحركة في الوقت الذي يحضر الإنسان لنفسه مسكناً فوق هذه الرمال، مسكناً لا يعلم إن كان سيصبح نقطة على خطوط التماس أم ساتراً للعزّل أو المقاتلين.
مخيف أن تراود الإنسان فكرة أن أبناءه قد يفتحون أعينهم البريئة على صورة بلد ممزق وسياسة مخادعة ودولة محاصرة مفككة وجوقات من الشتامين المأجورين وشباب مهاجر بالآلاف وكذب وخداع ومواربة وخوف من الغد لا بل من الآن من كل لحظة وركن وكلمة.
مرعب أن نخبر من حولنا بلهفة عن فكرة نريد تنفيذها أو حجزاً قمنا بتأكيده فيقولون لنا: "هل اتفقتم ماذا سيجري إذا "علقت"؟".
أو أن نخرج من باب الفندق حيث سيكون "فرحنا" ونسمع أن انفجارا قد هز بيروت وهناك شهداء.
صديقتنا وصلت إلى العمل يوم استشهاد الرائد وسام عيد كانت قد سلكت للتو الطريق ذاتها حيث وقعت الجريمة، منزلها ليس هناك إنما مرت لتقوم ب"بروفا" لفستان العرس، أيحتاج هذا إلى تعليق؟

تناقض كبير، أحبطنا أشعرنا أن اليأس يفسد علينا أغلى أفراحنا حتى توقفنا وقلنا لا وألف لا، الحياة لنا المستقبل لنا والوطن هو حقا لنا نحن الشباب الذي تضج به الحياة وتزهر مع كل خطوة وتقدم ونجاح.



قصتنا ليست الوحيدة: في ذلك المعرض في الBIELآلاف القصص كقصتنا

شبان وشابات لا أدري إلى أي ديانة  أو تيار أو حزب سياسي ينتمون، معارضة أم موالاة؟ هم ليسوا هنا لأجل ذلك هم جميهم مثلنا هاربين من واقع البلاد البائس إلى روعة الحلم المتناثر في أرجاء المعرض، جميعهم أبناء الحياة يحضرون ويتحضرون لذلك الحدث الذي به تكتمل الحياة وتستمر جميعهم يدرك أن الزواج خطوة أمام الأمومة والأبوة أو ليس الأبناء عشق تجلى حياةً لتُعشق الحياة.
شبان وشابات من مختلف الأعمار يتنقلون من جناح إلى آخر سائلين مستفسرين حالمين، هذان يقلبان بطاقات دعوة وآخران ينقصهما سيارة مزينة وهذه تقف أمام فستان أبيض فترقص عيناها فرحاً  أعجبها، لم يعجبها، لا يهم فهو الحلم الأول الذي راودها قبل أن تعلم أن للأحلام معنى.
شبان وشابات يتحدون اليأس في بلد يطيح به عباد اليأس وعباد الموت وكارهي الحياة، شبان وشابات يزرعون الأرض أفراحاً في وجه زارعي العبوات، يملؤون السماء قصائد حب وزغاريد وأغان علهم يخرسون تجار الكلام وخطباء التهديد والوعيد والموت والتخوين يصرخون عالياً "بدنا نفرح، بدنا نعمل أحلى عرس بدنا نعيش" حقاً "بدنا نعيش" هذا الشعار الذي وإن أسقطه البعض عن لائحات الإعلانات إلا أنه مستمر في يومياتنا مزروع في إيماننا بقيامة هذا الوطن منتصر في إرادة الحياة فينا وكثيرون من الجبناء وعملاء اليأس يرتعبون من عشقنا للحياة.

خرجنا من المعرض إلى بيروت الخائفة وأصداء زفة "الأفراح" اللبنانية تتردد فينا نشوة وحماسا فسألتني حبيبتي "رح يخلونا نعمل عرس" وأجبت "أكيد! أحلى عرس..." .
أحلى عرس لا بل آلاف من الأعراس الرائعة لشباب مقاوم في هذه البلاد الغريبة الغريبة التي لا تستسلم.
أحلى عرس حصرما في أعين الذين يمنعون عنا الفرح والأغاني حصرما في أعين عباد الأنظمة كارهي الحياة.

وهو يوم قريب قريب جداً سيرجع فيه هذا الوطن عرسا مستمراً يشرب فيه الوطنيون الأبطال نخب عروسهم الحرية وعريسهم السلام.

نعم الحرية والسلام ... سيقول لبنان يومها لكل من حوله "عقبال العايزين"